المقدمة:
في عصرٍ يشهد تصاعدًا للكوارث الطبيعية مدفوعًا بالتغيُّرات المناخية، يَبْرز حدث تساقطات (آسفي) الرعدية في المغرب كنموذجٍ حيٍّ لتفاعل الظواهر الجوية الاستثنائية مع التضاريس الهشَّة. وقد أسفرت هذه التساقطات عن تدفُّقات فيضانية سريعة (Flash Floods) بشدَّة الهطول تجاوزت (100 مم/ساعة)؛ ممَّا أدَّى إلى جريان سطحي مرتفع؛ ممَّا أدَّى إلى (14 حالة وفاة)، وإسعاف (32 مصابًا)، وَفْقًا لبيانات السلطات المحلية. ويهدف هذا التحليل الفني إلى تفكيك ديناميكيات الحدث هيدروليكيًّا وجويًّا، مستندًا إلى معايير NFPA 1600، لاستخلاص دروس عمليَّة تُعزِّز من سلامة المجتمعات المُعرَّضة للمخاطر.
خلفية الحدث، وتسلسل الأحداث:
شهد إقليم (آسفي) بالمغرب تساقطات رعديَّة استثنائية أدَّت إلى تدفُّقات فيضانية سريعة (Flash Floods) خلال فترة زمنية قصيرة جدًّا. وأفادت السلطات المحلية بارتفاع حصيلة الوفيات إلى (14 حالةً)، مع إسعاف (32 شخصًا)، غادر معظمهم المستشفيات بعد العلاج، بينما بعض الحالات ظلَّت تحت المراقبة الطبيَّة، واستمرَّت عمليات البحث عن مفقودين محتملين، مع تعبئة شاملة للسلطات العمومية والقطاعات المَعْنيَّة لتأمين المناطق المتضرِّرة، ودعم الساكنة.

ما التساقط الرعدي؟
يُعرَّف (التساقط الرعدي القوي) بأنه: «ظاهرة جويَّة تتَّسم بكثافة أمطار تصل إلى 50-100 مم/ساعة، مصحوبة برياح شديدة، وعواصف كهربائية»، ووَفْقًا لتصنيف منظمة الأرصاد العالمية (WMO). في (آسفي)، أدَّى هذا إلى فيضانات استثنائية بسبب تضاريس الإقليم الساحلية، والأودية الضيِّقة؛ ممَّا يُعزِّز من سرعة تجمُّع المياه وتدفُّقها.
التحليل الجوي للتساقط الرعدي:
من الناحية الجويَّة، تشكَّلت الخلايا الرعدية بفعل تيارات هوائية صاعدة حارَّة رطبة (Convective Cells)، مدعومة ببيانات الأقمار الصناعية؛ مثل: GOES-16، الَّتي سجَّلت رطوبةً نسبيةً تزيد عن (90%) عند مستوى 850 Hpa. هذا يتوافق مع نموذج التنبُّؤ بالفيضانات السريعة في NFPA 1600 (Standard on Disaster/Emergency Management)، الذي يؤكِّد على أهميَّة نماذج التنبُّؤ الهيدروليكي؛ مثل: HEC-RAS لتقييم المخاطر.
إدارة الأزمة والاستجابة الميدانية:
طبَّقت السُّلطات نموذج إدارة الكوارث المتكامل (Integrated Emergency Management) وَفْقًا لـ FEMA وNFPA 1561، مقسمًا إلى مراحل: التنبُّؤ، والاستجابة، والتعافـي، وشملت الاستجابة:
- نُظُم الإنذار المبكر: استخدام محطَّات رادار جوي، وأجهزة استشعار هيدروليكي لكَشْف ارتفاع مستوى المياه بـ 30 سم في أقل من (6 ساعات).
- التدخُّلات الميدانية: نَشْر فِرَق إنقاذٍ متخصصة بمُعدَّات PPE مقاومة للماء (مثل: بدلات Level B وَفْق OSHA 29 CFR 1910.120)، وطائرات بدون طيار (Drones) لمسح المناطق الغارقة.
- الدعم الطبي: إسعاف 32 مصابًا بإصابات رئيسة تشمل الغرق الجزئي (Near-Drowning) وكسور، مع تطبيق بروتوكولات BLS وALS.
ورغم الجهود، أبرز الحَدَثُ نقصًا في خطط الإجلاء الشخصي (Evacuation Plans)، حيث لم يتمَّ الوصول إلى 100% من السُّكان في المناطق عالية الخطورة.
الدروس المستفادة، والتوصيات الوقائيَّة:
يُظْهر الحدث أهميَّة تطبيق كُودَات السلامة الدوليَّة في المناطق المُعرَّضة:
- تعزيز البُنْية التحتيَّة: بناء قنوات تصريف بقدرة 100 مم/ساعة، مع صيانة دوريَّة كما في ISO 22301.
- برامج التوعية: تنفيذ برامج تدريبيَّة وتوعويَّة لسكان المناطق المُعرَّضة للفيضانات تعتمد على بروتوكولات الاستجابة المعتمدة دوليًّا للفيضانات السريعة؛ مثل:
Turn Around, Don’t Drown لتجنُّب عبور مجاري السُّيول، والإخلاء المبكِّر إلى مناطق مرتفعة وآمنة (Move to Higher Ground)، مع تعزيز استخدام تطبيقات الإنذار المبكِّر، والرسائل التحذيريَّة الفوريَّة لرفع مستوى الجاهزيَّة، وتقليل الخسائر البشريَّة.
- التكنولوجيا الحديثة: دَمْج الذَّكاء الاصطناعي في نماذج التنبُّؤ (AI-Driven Forecasting) لتحسين دقَّة الإنذار لتحسين ملحوظ يتراوح بين (20–40%) حسَب البيانات، كما في مشروعات NOAA.
- تقييم المخاطر: إعداد خرائط مخاطر (Hazard Maps) باستخدام GIS، مع تصنيف المناطق إلى Low/Medium/High Risk.
تقنيات الكشف عن الفيضانات:
تُركِّز هذه التقنيات على الرَّصد الجوي والهيدروليكي للتنبُّؤ بالنماذج المتقدِّمة، ودقَّة التنبُّؤ قد تصل إلى (80–90%) في ظروف مثاليَّة، وفيما يلي تفصيلٌ فنيٌّ مبنيٌّ على أحدث التطوُّرات.
- أنظمة الاستشعار عن بُعْد، والأقمار الصناعيَّة:
تعتمد على تقنيات SAR (Synthetic Aperture Radar) في أقمار مثل Sentinel-1، الَّتي تخترق السُّحب، وترصد الغمر حتى في الظروف الجويَّة السيِّئة، وتدمج مع نماذج الارتفاع الرقمي (DEM) لرسم خرائط مخاطر دقيقة؛ ممَّا يُحدِّد المناطق المنخفضة المُعرَّضة للغمر بنسبة دقَّة عالية، وهذه التقنيات أثبتت فعاليَّتها في تحديد مناطق الفيضان بنسبة (59%) عالية الخطورة في دراسات حديثة.
- الرَّادار والمُسْتشعرات الميدانيَّة:
تستخدم مُسْتشعرات رادار غير تماسية (Non-Contact Radar Level Sensors) لقياس مستوى المياه في الأنهار بدقَّة عالية، غير متأثِّرة بالرياح أو الضوضاء، وتُوفِّر نطاقًا ديناميكيًّا عاليًا لكشف التغيُّرات الدقيقة في القاع الجاف أو المائي؛ ممَّا يدعم الإنذار في المناطق المُعرَّضة؛ مثال: أجهزة ABM الَّتي تعمل في ظروف قاسية لمراقبة التدفُّقات السريعة.
- الذكاء الاصطناعي، والنماذج التنبؤيَّة:
تستخدم التعلُّم العميق (Deep Learning Neural Networks – DLNN) مع بيانات GIS لإنشاء مؤشر إمكانيَّة الفيضان السريع (FFPI)، بدقَّة تصل إلى 0.985 AUC-ROC تدمج عوامل؛ مثل: المنحدر، والاستخدام الأرضي؛ للتنبُّؤ بالمخاطر، كما في نماذج ADT وDLNN-WOE فـي المغرب، ويعتمد نظام “Vigirisque Inondations” و”INDAR” على مراكز وطنيَّة ترصد الفيضانات، وتُنسِّق التدخُّلات، مدعومًا بالأرصاد الجويَّة.
تطبيقات في المناطق العربية والمغربية:
في المغرب، يشمل نظام Vigirisque مراكز إقليميَّة في مناطق (مثل: آسفي) للرَّصد الزمني الحقيقي، وهو متكامل مع مبادرة الأمم المتحدة EW4All، ويُوصَى بدَمْجها مع تطبيقات الهواتف للإنذار المباشر؛ ممَّا يُعزِّز الاستجابة وَفْق NFPA 1600، وهذه التِّقنيات تُقلِّل وقت الإنذار إلى ساعاتٍ قليلةٍ؛ ممَّا ينقذ الأرواح في التَّساقطات الرعديَّة.
الخاتمة:
في الختام، يُعدُّ حدث (آسفي) نموذجًا للكوارث المناخيَّة المتزايدة بسبب التغيُّر المناخي، وهو يتطلَّب تعزيز ثقافة السلامة المهنيَّة لتقليل الخسائر البشرية إلى الصفر؛ حيث تُعدُّ كارثة (آسفي 2025) إشارةً تحذيريةً لضرورة الانتقال من الاستجابة التفاعلية إلى النماذج الاستباقيَّة في إدارة الكوارث، مدعومةً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والإنذار المبكِّر، كما يُسْهم تعزيز البُنْية التحتية الهيدروليكيَّة، وتطوير خرائط المخاطر باستخدام نُظُم المعلومات الجغرافية (GIS)، وتطبيق أنظمة الإنذار المبكِّر، وبرامج التوعية المجتمعية في تقليل الخسائر البشريَّة بشكلٍ ملحوظٍ، ورفع قدرة المجتمعات على الصُّمود أمام الفيضانات السريعة، وذلك وَفْق أفضل الممارسات الدوليَّة في إدارة مخاطر الكوارث، وتطبيق برامج تدريبيَّة مجتمعية وَفْق OSHA وISO 22301، ويمكن تقليل الخسائر البشريَّة بنسبة تصل إلى (70%).
وفي النهاية، يظلُّ الالتزام بثقافة السلامة المهنية الرَّكيزة الأساسيَّة لبناء مجتمعاتٍ مَرِنَةٍ أمام تقلُّبات المناخ المتسارعة.