مقالات المجلة

انهيار سَدَّي (درنة)، وإرشادات السلامة

مقدمة:

خلال الأيام المنقضية اهتزَّت مناطق بجنوب شرقي أوروبا، وأجزاء من شمال إفريقيا على وَقْع الإعصار (دانيال)، وقد ألحقت الفيضانات والأمطار الغزيرة أضرارًا جسيمةً بالعديد من المناطق المنكوبة، تزامنًا مع سقوط عدد كبير من القتلى.

وقد صُنِّفت (ليبيا) ضمن أكثر المناطق المنكوبة تضررًا، ففي مدينة (درنة)، انهار سدَّان؛ هما: (سد أبو منصور) و(سد البلاد)، ما أدَّى إلى اندفاع المياه العارمة التي أتت على الأخضر واليابس، وقد أعلنت السلطات الليبية عن سقوط آلاف القتلى بدرنة.

مخاطر وأسباب انهيار السدود:

إنَّ تجاوز السدود لمُدَّتها الزمنية يُعدُّ أحد الأسباب الأكثر شيوعًا لانهيار السدود، وفي حالة ليبيا فقد جرى تشييد السَّدَّين في سبعينيات القرن العشرين، ما يعني أنَّ إعصار (دانيال) قد تسبَّب بشكل مباشر في انهيارهما، إلا أنه من الواضح أن السَّدَّين كانا في حالة سيئة.

ويمكن أن تنهار السدود أيضًا بسبب سوء تشييدها وتصميمها، أو عدم صيانتها بشكل منتظم، أو بناء شبكات تصريف للمياه غير مناسبة لتحمُّل هطول الأمطار الغزيرة، فيما قد تُغلق شبكات التصريف بسبب عدم صيانتها.

ويقول الخبراء: إنه كلَّما تقدَّم عُمر السد، تعرَّضت أُسُسه لعملية طبيعية يُطلَق عليها اسم: (الترسيب)، التي تظهر مع عدم استقرار المنحدرات والجدران المحيطة بالسد، وتآكل مواد البناء المستخدمة في بناء السد، ما يتسبَّب في نهاية المطاف في حدوث تسريب.

ويمكن أن تكون أسباب انهيار السدود بفعل الطبيعة؛ مثل: حدوث زلازل، أو فيضانات، أو ظواهر طقس متطرفة، أو انهيارات أرضية فيما قد يكون الانهيار متعمدًا من فِعْلِ البشر عن طريق أعمال التخريب والتفجيرات في الحروب والصراعات.

ويمكن أن تسبب الفيضانات الكبيرة خسائر مادية وبشرية بالغة، حيث يمكن أن تجرف قرًى بأكملها، لكن ورغم قوة المياه يمكن السيطرة على زيادة منسوب المياه في حالة زيادتها عن مُعدَّلها الطبيعي عن طريق البوَّابات ومجاري تصريف المياه، فبإمكان بوابات السدِّ السماح بتدفق مستمر للمياه من المجرى ناحية المنبع إلى مجرى النهر أسفل السد، أو إلى نظام الطاقة الكهرومائية، أو إطلاقها لري الحقول والمزارع. وهناك أيضًا مجاري تصريف المياه، وهي عبارة عن منحدرات أو مزالق مفتوحة يتدفَّق الماء من خلالها عندما يرتفع مستواه بدرجة كافية لدخول فُوَّهاتها.

إجراءات السلامة لتجنُّب انهيار السدود: 

لمنع انهيار السدِّ وضمان السلامة، يجب مراعاة المتطلبات التالية:

  •  التفتيش والصيانة الدورية: يجب فحص هياكل السُّدود على فترات منتظمة لتحديد أي علامات تدهور، أو ضرر، أو فشل محتمل، وينبغي تنفيذ أنشطة الصيانة؛ مثل: إصلاح الشقوق أو التسريبات على الفور.
  •  خطط عمل الطوارئ: يجب على مالكي السُّدود تطوير خطط عمل الطوارئ (EAPs)، والحفاظ عليها، والتي تُحدِّد إجراءات ومسؤوليات محددة في حالة انهيار السد، أو احتمال حدوث خَرْقٍ فيه، ويجب أن تتضمن هذه الخطط طرق الإخلاء، وأنظمة الإنذار، وبروتوكولات الاتصال.
  •  أنظمة المراقبة والإنذار المبكر: يُعدُّ الرَّصْد المستمر للعوامل (مثل: مستويات المياه، ومعدلات التسريب، والسلامة الهيكلية) أمرًا بالغ الأهمية، يمكن لأجهزة الاستشعار والأجهزة الأوتوماتيكية توفير بيانات في الوقت الفعلي للكشف عن أيِّ ظروف غير طبيعية، وإطلاق أنظمة إنذار مبكر لإخلاء مناطق المَصبِّ إذا لزم الأمر.
  •  تقييم المخاطر، وتقسيم المناطق: ينبغي إجراء تقييم للعواقب المحتملة لفشل السدِّ، مع الأخذ في الاعتبار عوامل؛ مثل: الكثافة السكانية عند المَصبِّ، وضعف البنية التحتية، وينبغي استخدام هذه المعلومات لوضع تدابير تقسيم المناطق المناسبة، ولوائح استخدام الأراضي لتقليل التأثيرات.
  •  التكيُّف مع تغيُّر المناخ: ينبغي تصميم السُّدود بحيث تتحمَّل التأثيرات المتوقَّعة لتغيُّر المناخ؛ مثل: زيادة هطول الأمطار، أو الظواهر الجوية المتطرفة، وينبغي لمعايير التصميم أن تأخذ في الاعتبار التغيرات المحتملة في الأنماط الهيدرولوجية، وأن تتضمن هوامش أمان كافية.
  •  اعتبارات التصميم الزلزالي: ينبغي تصميم هياكل السُّدود لمقاومة القوى الزلزالية، والتخفيف من المخاطر المرتبطة بالزلازل المحتملة، ويتضمَّن ذلك التحقيقات الجيولوجية وذات التقنية الخاصة بالموقع لتحديد معايير التصميم المناسبة.
  •  إدارة الصرف الصحي والفيضانات: يجب إنشاء أنظمة صرف مناسبة لإدارة التدفُّقات المفرطة أثناء أحداث ارتفاع منسوب المياه، ممَّا يُقلِّل من مخاطر تجاوز السُّدود، أو الفشل الهيكلي، وقد يشمل ذلك مجاري تصريف المياه، أو بوَّابات التحكُّم، أو قنوات التحويل.
  •  الوعي العام والتعليم: يجب تثقيف المجتمعات المقيمة في مناطق المَصبِّ حول المخاطر المحتملة المرتبطة بفشل السَّدِّ والإجراءات المناسبة التي يجب اتِّخاذها أثناء حالة الطوارئ. ويمكن أن يشمل ذلك الاجتماعات العامة، وحملات التوعية والوصول إلى المعلومات حول خطط الإخلاء.
  • الامتثال التنظيمي: يجب أن تستوفي السُّدود جميع لوائح ومعايير السلامة ذات الصلة التي وضعتها السلطات المحلية، أو المبادئ التوجيهيَّة الدولية، ويمكن أن تساعد عمليات التفتيش والمراقبة المنتظمة من قِبَلِ الهيئات التنظيمية في ضمان الامتثال.
  •  التدريب وبناء القدرات: يجب أن يتلقَّى مُشغِّلو السدود تدريبًا كافيًا حول سلامة السدود، وإجراءات الاستجابة للطوارئ، وصيانة البنية التحتية للسدود، وهذا يساعد على ضمان اتِّباع نهج استباقي للسلامة، والحد من المخاطر.

إرشادات السلامة عند انهيار السدود:

يمكن أن يكون لانهيار السَّدِّ عواقب كارثيَّة، ومن الأهمية بمكان أن يكون لديك خطة إنقاذ جيِّدة الإعداد لتقليل الأضرار المحتملة، وضمان سلامة الأفراد المتضررين، في حين أنَّ خطط الإنقاذ المحددة ستختلف اعتمادًا على موقع السدِّ وحجمه، والبنية التحتية المحيطة به، فإليك بعض الخطوات العامَّة التي يمكن اتخاذها:

  •  الإنذار المبكر والاتصالات: تركيب نظام مراقبة قوي مُزوَّد بأجهزة استشعار، وتقنية إنترنت الأشياء، وتحليل البيانات في الوقت الفعلي لاكتشاف أي مشكلات أو خلل محتمل في تشغيل السَّدِّ، وإنشاء قناة اتصال فعَّالة لتنبيه السلطات المَعْنيَّة وفِرَق الاستجابة للطوارئ على الفور.
  •  خطة الإخلاء: وَضْع خطة إخلاء تحدد الخطوات الواجب اتِّخاذها لإجلاء الأشخاص من مناطق المَصبِّ في حالة انهيار السد، وتحديد نقاط التجمُّع الآمنة، ووَضْع إجراءات لإخطار الجمهور وخدمات الطوارئ وأصحاب المصلحة المَعنيِّين.
  •  فِرَق الاستجابة للطوارئ: إنشاء فِرَق استجابة للطوارئ مُدرَّبة جيدًا، ومُجهَّزة بالمُعدَّات والموارد اللَّازمة للتعامل مع انهيار السدود، ويجب أن تضم هذه الفِرَق أفرادًا مُدرَّبين في مجالات؛ مثل: البحث والإنقاذ، والإسعافات الأولية، والتعامل مع المواد الخطرة، والإنقاذ المائي.
  •  التنسيق مع السلطات المحلية: إقامة تنسيق قوي مع مختلف السلطات المحلية والهيئات، وإجراء تدريبات وتمارين منتظمة تشمل الهيئات المتعددة لضمان التنسيق السَّلِس أثناء الأزمة.
  •  التثقيف والتوعية المجتمعية: تثقيف المجتمع المحلي حول المخاطر المحتملة المرتبطة بانهيار السدود، وإجراءات الإخلاء المقابلة. ويجب تشجيع السكان على إنشاء خطط طوارئ فردية ومجموعات مستلزمات الطوارئ لزيادة الاستعداد.
  •  خطة إعادة التأهيل والإعمار: وَضْع خطة لإعادة تأهيل وإعادة إعمار السد والبنية التحتية المحيطة به بعد الانهيار، ويجب أن تتضمن هذه الخطة الموارد والتمويل، والجداول الزمنية اللازمة لاستعادة وظائف السدِّ.
  •  التحسين المستمر: قُمْ بمراجعة خطة الإنقاذ وتحسينها بانتظامٍ؛ بناءً على الدروس المستفادة من التدريبات والتمارين والحوادث الواقعية، ودمج التقنيات الجديدة، وأفضل الممارسات في مجال سلامة السدود للبقاء على اطلاع بأحدث التطورات.

خاتمة

ختامًا، من الأهمية بمكان التشاور مع خبراء سلامة السدود، واتباع الإرشادات واللوائح الوطنية أو الدولية الخاصة بكلِّ موقع عند تنفيذ متطلبات السلامة لمشاريع السدود، كما يجب إجراء تقييم شامل لجميع السدود المتواجدة في بلداننا العربية للتأكُّد من سلامتها، والقيام بإجراءات الصيانة المطلوبة، وعدم الانتظار حتى تقع كارثة أخرى.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *