مقالات المجلة

12- الإطار الإداري المتقدِّم لإدارة سلامة الطرق وتعزيز كفاءة المؤسسات ISO 39001

مقدمة حول التحوُّل الإداري في مجال سلامة الطرق:

تشهد المؤسسات حول العالم تحولًا جذريًّا في طريقة تعاملها مع قضايا سلامة الطرق بعد أن أصبح تأثير الحوادث المرورية قضيَّة إدارية لا تقلُّ أهميةً عن القضايا المالية والتشغيلية، وقد كشفت الإحصائيات العالمية أنَّ الطرق لم تَعُدْ مجرد منشآت هندسية، بل بيئة معقَّدة تتداخل فيها القيادة والتشغيل والتخطيط والثقافة المؤسسية، ومع هذا التعقيد المتزايد ظهرت المواصفة الدولية ISO 39001 بصفتها إطارًا إداريًّا شموليًّا قادرًا على رفع مستوى النُّضج المؤسسي في إدارة السلامة، وتحويلها من مسؤوليَّة فرديَّة إلى نظام عمل متكامل يدعم الأداء، ويحدُّ من الأخطار.

التعريف بمنظمة الأيزو  (ISO):

تُعدُّ المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (International Organization for Standardization)، (ISO)

واحدةً من أهمِّ الهيئات العالمية المتخصصة في وَضْع المعايير والمواصفات القياسيَّة التي تُسْتخدم في تنظيم الجودة، ورفع مستوى الكفاءة في مختلف القطاعات الصناعية والخدمية. وقد تأسَّست المنظمة عام 1947، وتتَّخذ من (جنيف) في سويسرا مقرًّا رئيسًا لها، وتضمُّ في عضويتها أكثر من ( 170 دولة)؛ ممَّا يجعلها أكبـر شبكة عالمية لوَضْع المعايير. وتُعْرف الأيزو بقدرتها على تطوير مواصفات دولية تُسْهم في توحيد الممارسات التشغيليَّة بين الدول، وتعزيز التنافسية، وتحسين مستوى السلامة، وجودة المنتجات والخدمات.

وخلال العقود الماضية، أصدرت منظمة الأيزو أكثر من 25,000 لرقم تقريبي ومتغيِّر)؛ مواصفة وشهادة دولية حتى 2025 تغطِّي مجالات متنوعة تشمل نظم الإدارة، والإنتاج، والتصنيع، والصحة، والسلامة، والبيئة، والغذاء، والتكنولوجيا، والخدمات اللُّوجستية، والبُنْية التحتية، والعديد من القطاعات المتخصصة الأخرى، وتشمل قائمة المواصفات الأكثر انتشارًا أنظمة الإدارة؛ مثل:  ISO 9001 للجودة، وISO 14001 للبيئة، وISO 45001 للسلامة والصحة المهنية، بالإضافة إلى المواصفة المتقدمة ISO 39001 الخاصة بنظام إدارة سلامة المرور على الطرق، وتستمر المنظمة في تطوير معايير جديدة لتعزيز الابتكار والمواءمة الدولية، ودعم الحكومات والمؤسسات الخاصة في بناء أنظمة ذات كفاءة أعلى، وأكثر استدامة.

ماهيَّة المواصفة 39001 ISO وأبعادها الإدارية:

تُعد  ISO 39001 مواصفة دولية متخصصة في بناء نظام إدارة سلامة المرور داخل المؤسسات بجميع أنواعها؛ سواء كانت قطاعًا حكوميًّا، أو خاصًّا، أو قطاعًا لوجستيًّا، أو مؤسسة تشغيلية تمتلك أسطولًا من المَرْكبات. ولا تتعامل المواصفة مع تفاصيل هندسة الطريق بقدر ما تركز على بناء آليَّات رسم السياسات، وتحديد الأدوار، وتنظيم العمليات، ووضع الأهداف، ومراقبة الأداء، إنَّها مواصفة تجعل القرار الإداري جزءًا أساسيًّا من عملية الحدِّ من الحوادث، وتربط بين أنشطة المؤسسة وبين منظومة الطريق الأكبر، وبهذا المعنى، تصبح ISO 39001 أداةً لحوكمة السلامة، وليست مجرَّد تعليمات.

أهمية ISO 39001 في الارتقاء بالسلامة المؤسسيَّة:

تبرز أهمية ISO 39001 في قدرتها على إحداث نَقْلة نوعية داخل المؤسسة؛ لأنها تنقل السلامة من كونها التزامًا قانونيًّا إلى عنصر استراتيجي يعكس جودة العمل، وكفاءة الأداء، فالمؤسَّسة التي تعتمد هذا النظام تستطيع تحويل البيانات التشغيلية المتعلقة بالحوادث والأعطال والرحلات إلى مؤشرات واضحة تُوجِّه قرارات الإدارة، كما تساعد المواصفة على مواءمة الأهداف التشغيليَّة (مثل: الإنتاجية والكفاءة) مع أهداف السلامة؛ ممَّا يُسْهم في تخفيف التكاليف غير المباشرة الناتجة عن الحوادث؛ كالخسائر البشرية، وتلف المَرْكبات، وتوقُّف العمليات، وارتفاع تكاليف التأمين.

فَهْم سياق المؤسسة كخطوة أولى لبناء النظام:

تبدأ ISO 39001 بخطوة جوهرية تتمثَّل في تحليل سياق المؤسسة، وهي عملية تتطلَّب فَهْمًا عميقًا لبيئة العمل الداخلية والخارجية، ويتضمَّن ذلك دراسة طبيعة النشاط، ونوع المَرْكبات المستخدمة، ومستويات الخبرة لدى السائقين، وتقييم المخاطر الموجودة على الطرق التي تتعامل معها المؤسسة، بالإضافة إلى تحديد الأطراف المَعْنيَّة داخل وخارج المنظمة، وهذا التحليل يجعل النظام الإداري أكثر واقعيةً وقابليةً للتطبيق؛ لأنَّه يستند إلى احتياجات حقيقية، وليس افتراضات.

دور القيادة في تفعيل النظام الإداري للسلامة:

في قلب ISO 39001 تقف القيادة الإدارية، فهي الجهة التي تُحدِّد رؤية المؤسسة لسلامة الطرق، وترسم مسار التَّحسين المستمر، ويتطلَّب النظام التزامًا واضحًا من الإدارة العليا بتوفير الموارد، وتحديد سياسة مكتوبة، وتوجيه الأنشطة بما يُحقِّق الأهداف. وتُظْهر الدراسات أن المؤسسات التي تفشل في تطبيق الأنظمة الإدارية للسلامة، غالبًا ما تتعثَّر بسبب ضعف المشاركة القياديَّة، وليس بسبب نقص الإجراءات؛ ولذلك تُشدِّد المواصفة على ضرورة مشاركة الإدارة العليا في مراجعة الأداء، وتقييم فعالية النظام بشكلٍ دوريٍّ.

منهجية إدارة المخاطر كأساس للتخطيط:

يعتمد نظام ISO 39001 على منهجيَّة إدارة المخاطر التي تُتِيحُ للمؤسسة فَهْم العوامل التي تزيد من احتمالية وقوع الحوادث، أو تؤدِّي إلى مضاعفة آثارها، وتشمل هذه العوامل: السرعة، وإرهاق السائق، وجاهزيَّة المَرْكبة، وجودة البُنْية التحتية، والظروف التشغيليَّة، والسياسات الداخلية المتعلِّقة بالسفر والرحلات. وما يُميِّز هذا النظام 39001 ISO أنَّه يتطلَّب أهدافًا ومؤشرات مناسبة للسياق، وليست كل العوامل كمِّـيَّة بالضرورة، بحيث يصبح لكلِّ مؤسسة مؤشرات أداء مرتبطة مباشرة بسلامة الطرق.

التشغيل الفعَّال كجزءٍ من منظومة السلامة:

تستفيد المؤسسات التي تتبنَّى ISO 39001 من تطوير عمليَّاتها التشغيليَّة بشكلٍ كبيرٍ، خاصَّةً تلك المرتبطة بإدارة الأسطول، وصيانة المَرْكبات، وتدريب السائقين، وتنظيم مسارات الحركة، فَعِوَضًا عن التعامل مع الصيانة بطريقة ردِّ الفعل، تصبح الصيانة وقائيَّة ومجدولة، ويتمُّ تسجيل البيانات كافَّة المرتبطة بالحوادث والأعطال والرحلات بطريقة تجعل المؤسسة قادرةً على اكتشاف الأنماط وتحليلها، كذلك تُسْهم المواصفة في تعزيز ثقافة الامتثال للسلوكيات الصحيحة أثناء القيادة، وتحسين طريقة توجيه السائقين، وتحميلهم مسؤوليَّة السلامة.

التحسين المستمر من خلال التقييم والقياس:

تفرض ISO 39001 على المؤسسات تطبيق نَهْج التحسين المستمر عَبْر إنشاء دورة متكاملة تبدأ من جمع البيانات وتحليلها، مرورًا بإجراء التدقيق الداخلي، ثم مراجعة الإدارة، وصولًا إلى تنفيذ الإجراءات التصحيحيَّة، وهذا النَّهج يجعل المؤسسة أكثر قدرةً على التكيُّف مع المتغيِّرات، ويخلق وَعْيًا دائمًا بأهميَّة تطوير الأداء، كما يساعد النِّظام على توحيد الجهود بين الأقسام المختلفة؛ لأنَّ كل تحسينٍ في السلامة ينعكس تلقائيًّا على الإنتاجية، والجودة، والالتزام المؤسسي.

الأثر الاقتصادي والإداري لاعتماد النظام:

من منظورٍ إداريٍّ، لا تقتصر فوائد ISO 39001 على السلامة فقط، بل تمتدُّ إلى تحسين الأداء العام للمؤسسة، فالحدُّ من الحوادث يؤدِّي إلى تقليل التكاليف المباشرة وغير المباشرة، ويُحسِّن مستوى الثِّقة بين المؤسسة والجهات الرقابيَّة، ويُعزِّز السُّمعة المهنية، كما يرفع من قدرة المؤسسة على الامتثال التشريعي، خاصةً في القطاعات التي تتطلَّب التزامًا عاليًا بالسلامة؛ مثل: النقل، واللُّوجستيات، والبُنْية التحتية والطاقة. وقد أثبتت دراسات عالميَّة أن تطبيق النظام يؤدِّي إلى انخفاضٍ كبيرٍ في نِسَبِ الحوادث الجسيمة، وتُحسِّن مستوى الجاهزيَّة التشغيليَّة للمؤسسة.

المُوَاءمة مع الأنظمة والبرامج الهندسية الأخرى:

توفر  ISO 39001 إطارًا إداريًّا يمكن رَبْطه بمختلف الأنظمة الهندسية؛ مثل: تدقيق السلامة RSA، وتقييم الطرق iRAP، وتخطيط الحركة TMP، وأنظمة النقل الذكية ITS، فبينما تُقدِّم هذه الأدوات تقييمات فنية تفصيلية، يقدم نظام ISO 39001 البُعْد الإداري الذي يضمن تحويل هذه التقييمات إلى سياسات وإجراءات، وبذلك يصبح النظام محورًا تكامليًّا يقود إلى نتائج ذات أثر أكبر على مستوى البُنْية التحتية، وسلوك السائقين والأداء المؤسسي.

التجربة السعودية ورؤية 2030:

في المملكة العربية السعودية، تكتسب ISO 39001 أهميةً استراتيجيةً كبيرةً بتوافقها مع أهداف رؤية 2030، خاصةً خفض معدلات الوفيات المرورية إلى أقل من (8 لكل 100,000 نسمة) من خلال برنامج تقييم الطرق السعودي (KSARAP)، الذي يعتمد منهجيات IRAP لتقييم (700 كم) من الطرق الحضرية في الدمام، محققًا تصنيفًا نجميًّا بنسبة (85%) للمَرْكبات.

وقد بدأت جهات حكومية رئيسة (مثل: بلدية المنطقة الشرقية) في تبنِّي النظام كجزءٍ من الحوكمة الداخلية، مع ربطه بمبادرات وطنية؛ مثل: كود الطرق السعودي (RSC) الذي أطلقته الهيئة العامة للطرق لتعزيز السلامة في مراحل التخطيط والتصميم والتشغيل، كما تُقدِّم شركات؛ مثل: LRQA (lrqa.com/ar-ae/lmyr-iso-39001/) وBSI Group (bsigroup.com/ar-AE/products-and-services/standards/iso-39001-road-traffic-safety-management/) خدمات اعتماد ISO 39001 في المنطقة، مع تدريبات متخصصة للمؤسسات اللُّوجستية والحكومية لتحسين إدارة الأسطول، وتقليل الحوادث بنسبة تصل إلى (30%). (هذه نسبة دراسات حالة، وليست ضمانًا معياريًّا عامًّا).

هذا التوجُّه يُعزِّز المدن الذكية، ويُحوِّل ISO 39001 إلى أداة تكاملية مع  RSA وITS، مساهمًا في منظومة طرق آمنة تدعم الاستدامة والتنمية.

أمثلة تطبيقية على  ISO 39001:

أضافت السويد كمبتكرة لـ Vision Zero منذ 1997، ISO 39001 إلى إطارها الوطني للسلامة المرورية، حيث قادت الإدارة السويدية للطرق (Trafikverket) تطوير المعيار في 2008، وأصدرته ISO في 2012، وبحلول 2020 أسهم هذا التكامل في خفض الوفيات المرورية بنسبة تزيد عن (60%) منذ التسعينيات (من 541 وفاة في 1990 إلى أقل من 200 في 2020)، مع التركيز على RTSMS للمنظمات ذات الأسطول؛ مثل: شركات النقل.

من (International Transport Forum (ITF 2020، أظهر تقرير “Best Practices in Road Safety Management” كيف اعتمدت هولندا ISO 39001 في حملة “Sustainable Safety”؛ ممَّا قلَّل الحوادث الخطيرة بنسبة (30%) في اللُّوجستيات بين 2015-2020، من خلال ربط إدارة المخاطر بتحليل “Hiyari-Hatto” (المشاهدات القريبة من الحوادث).[ من المصادر الأصلية].

وفي البرازيل، طبق  ITF ISO 39001 في مشروع (ساو باولو) للنقل العام (2020)، محققًا انخفاضًا بنسبة (25%) في حوادث الحافلات الجسيمة عَبْر تدريب السائقين، والصيانة الوقائيَّة، مدعومًا ببيانات KPIs؛ مثل: “Serious injury rate”.

أرقام وإحصائيَّات عربية وعالمية:

يشير تقرير منظمة الصحة العالمية حول الوضع العالمي لسلامة الطرق لعام 2023 WHO Global Status Report on Road Safety 2023 إلى انخفاضٍ طفيفٍ في عدد الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق إلى (1.19 مليون وفاة سنويًّا)، مع تحقيق بعض الدول انخفاضًا بنسبة (50%)، أو أكثر في معدلات الوفيات خلال العقد 2010 2020م.

وتُركِّز تقارير  ETSC على مؤشرات السلامة العامَّة في أوروبا؛ مثل: زيادة الوفيات بنسبة (4%) في 2022م، مع دعوات لإدارة مخاطر الطرق المتعلِّقة بالعمل.

خاتمة حول الدور الاستراتيجي للمواصفة:

تثبت  ISO 39001 أنَّها ليست مجرَّد شهادة إدارية تُضَاف إلى ملف المؤسسة، بل هي نظام شامل يُعِيدُ تشكيل الطريقة التي تتعامل بها المؤسسات مع السلامة، إنها تُمثِّل مستوًى جديدًا من النُّضج الإداري الذي يجعل القرار مَبْنيًّا على البيانات، ويجعل السلوك المؤسَّسي جزءًا من منظومة الطريق، ويُحَوِّل الأهداف الاستراتيجية إلى برامج تشغيليَّة قابلة للتطبيق والقياس، ومن هنا تُصْبح المواصفة عنصرًا أساسيًّا لكلِّ مؤسسة تطمح إلى تحسين سلامة أسطولها، وتعزيز جودة عملياتها، والمساهمة في بناء مجتمعٍ آمنٍ.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *