التقنيات المبتكرة تُشكِّل مستقبل السلامة العامَّة
المُقدِّمة:
مع تسارع وتيرة التغيُّرات العالمية، أصبحت التكنولوجيا ركيزةً أساسيةً في تطوير منظومات السلامة العامَّة، حيث لم يَعُدْ دورها مجرد دعم للعمليات، بل تحول إلى عنصرٍ فاعلٍ في تعزيز الجاهزيَّة المؤسسية، وتحسين كفاءة الاستجابة، وضمان تقديم خدمات أكثر دقَّة وعدالة، وقد أسهم الابتكار التقني في إحداث تحوُّلات عميقة على مستوى إدارة البيانات، وتنفيذ المهام الميدانية، وتعزيز الشفافية بين الجهات المختصَّة والمجتمعات المحليَّة.
التكنولوجيا كدعامة أساسية لمستقبل السلامة العامَّة:
(الذكاء الاصطناعي في السلامة العامة): دعم القرار، وتعزيز الكفاءة التشغيليَّة:
لا يزال الذَّكاء الاصطناعي يتصدَّر مشهد الابتكار في السلامة العامَّة، حيث يتيح تحليلًا سريعًا للبيانات الضخمة، ويقدم دعمًا فوريًّا في اتِّخاذ القرار دون أن يحلَّ محلَّ الحَدْس البشري، أو الحس الأمني للمحترفين.

ومن أبرز تطبيقاته:
- تصنيف مكالمات الطوارئ: تستخدم تقنيات المحادثة بالذَّكاء الاصطناعي لفرز المكالمات غير العاجلة؛ ممَّا يُخفِّف العبء على الخطوط الأمامية.
- إرسال الموارد بكفاءة: من خلال فَهْم السِّياق الحقيقي للمكالمة، يمكن للنظام اقتراح الاستجابة الأنسب.
- كتابة التقارير الميدانية: تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بتوجيه الأفراد عَبْر مقابلات رقمية لجمع بيانات دقيقة، وتوليد تقارير جاهزة للمراجعة.
وتكمن أهميَّة هذه التقنيات في دعم الموارد البشرية -لا استبدالها- عَبْر إتاحة وقت أكبر للمهام ذات الطابع التقديري والتفاعلي.
إدارة الأدلَّة الرقمية في السلامة العامَّة، تنظيم المعلومات وضمان النَّزاهة:
مع ازدياد الاعتماد على الأدلَّة الرقمية؛ مثل: الصور، ومقاطع الفيديو، وسجلَّات الاتصالات- برزت الحاجة إلى حلول متقدِّمة لإدارتها.
وتعمل أنظمة إدارة الأدلة الرقمية DEMS/ Digital Evidence Management System على:
- تحسين كفاءة التخزين والاسترجاع.
- ضمان سلاسل الحفظ والتوثيق لضمان النزاهة القانونيَّة.
- تمكين مشاركة الأدلَّة بأمان مع الأطراف المَعْنيَّة.
تُعدُّ هذه الأنظمة حاسمةً في ظلِّ تنامي حجم البيانات، وتزايد الحاجة إلى الشفافية والمُسَاءلة المؤسسية بما يضمن سلامة الإجراءات، وتحقيق العدالة.
الكاميرات المحمولة أداة لتعزيز السلامة والشفافية:
أصبحت الكاميرات القابلة للارتداء جزءًا لا يتجزَّأ من منظومة السلامة العامَّة لِمَا توفِّره من توثيقٍ دقيقٍ يساعد على حماية الأفراد، وتعزيز الثِّقة بين الجهات الرسمية والجمهور.
وتُسْهم هذه التقنية فـي:
- توثيق التفاعلات الميدانيَّة بما يُعزِّز الشفافية والمُسَاءلة.
- دعم التحقيقات من خلال تسجيل الأحداث بدقَّة.
- التأكُّد من الالتزام بإجراءات السلامة، والبروتوكولات المعتمدة.
وباستخدامها، تقلُّ فرص النِّزاعات، وتُرسَّخ بيئة عمل أكثر أمانًا وعدالةً لجميع الأطراف.
الطائرات بدون طيار: رصد ميدانـي، واستجابة فورية:
أصبحت الطائرات بدون طيار (UAS) عنصرًا فاعلًا في السلامة العامَّة من خلال قدراتها على الرصد، والتتبُّع، والاستجابة السريعة.
وتطور استخدامها من نمط (الاستدعاء عند الحاجة) إلى أداة دعمٍ فوري ومتكامل ضمن منظومة الاستجابة الأوليَّة عَبْر:
- برامج طائرات مسيَّرة مدمجة ضمن إجراءات التشغيل القياسيَّة.
- تشغيل ذاتـي من قِبَلِ فِرَقِ مُدرَّبة مسبقًا.
- جمع بيانات لحظيَّة تدعم القرارات الميدانية.
تُمكِّن هذه البرامج الوكالات من تحقيق استجابات دقيقة وفعَّالة في أوقات حرجة، خاصةً في المناطق واسعة النطاق، أو التي يصعب الوصول إليها.
الخاتمة:
في ظلِّ التوسُّع المستمر في الحلول التقنية، يبقى النجاح الحقيقي في مجال السلامة العامة معتمدًا على التوازن الدقيق بين التطوُّر التكنولوجي والدور الإنسانـي.. إنَّ إدماج أدوات متقدمة (مثل: الذكاء الاصطناعي، وأنظمة إدارة الأدلة الرقمية، والكاميرات القابلة للارتداء، والطائرات بدون طيار)، يفتح آفاقًا واسعةً لتعزيز الكفاءة التشغيلية، ورفع جودة الاستجابة، ومع ذلك فإنَّ التحدِّي الأهم لا يكمُنُ في استخدام هذه التقنيات فحسب، بل في توظيفها بوعي ومسؤولية، بما يضمن احترام المعايير الأخلاقية، وتعزيز ثقة المجتمع، وبناء منظومة سلامة عامَّة ترتكز على العدالة والاستدامة، والتفاعل الإنسانـي الواعي.