مقدِّمة:
في السنوات الأخيرة، تَزايد الوعي العالمي بأهميَّة السلامة في مواقع العمل، ليس فقط بوَصْفها مطلبًا قانونيًّا، بل كجزءٍ أساسيٍّ من ثقافة أي مؤسسة تسعى للاستدامة والتميُّز. وفـي ظلِّ بيئات العمل التي تتَّسم بالتعقيد وتعدُّد المهام، لم يَعُدْ الاكتفاء بإجراءات تقليدية أمرًا كافيًا، بل بَاتَ من الضروري اتِّباع منهج شامل يُعزِّز الوقاية، ويستبق الأخطار.
وهذا المقال يُقدِّم رؤيةً متكاملةً لتحسين السلامة المهنيَّة في مواقع العمل من خلال محورين أساسيين:
الأول: يتناول أبرز الممارسات العمليَّة المباشرة التي يمكن تبنِّيها في أي بيئة عمل.
والثانـي: يستعرض تحليل السلامة الوظيفيَّة كأداة منهجية دقيقة تساعد المؤسسات على بناء بيئة أكثر أمانًا عَبْر خطوات منظَّمة، وتقييم واقعي للمخاطر.
أولًا: الركائز الأساسيَّة لتحسين السلامة في بيئة العمل:
- دمج السلامة ضمن بُنْية الإدارة العامة:
لكي تكون جهود السلامة فعَّالة ومستدامة، لا ينبغي أن تُدَار بمعزلٍ عن منظومة العمل، بل يجب دَمْجها بشكل كامل في الهيكل الإداري والتشغيلي للمؤسسة، وعندما تصبح السلامة جزءًا من لغة اتِّخاذ القرار اليومي، تتحوَّل من تعليمات خارجية إلى سلوك مؤسَّسي أصيل ينمو تلقائيًّا،

ومن أبرز الإجراءات الممكن اتِّخاذها لتحقيق هذا الدمج:
- مُوَاءمة سياسات السلامة مع الخطط التشغيليَّة والهيكل الإداري.
- إشراك مسؤولي السَّلامة في مراحل التخطيط والتنفيذ لجميع العمليات
2.تعزيز التشاور والمشاركة في اتِّخاذ قرارات السلامة:
السلامة لا تُصْنع في المكاتب المغلقة، بل تنبض من أرض الواقع؛ حيث يتعامل الأفراد مع المخاطر الفعليَّة. إنَّ إشراك العاملين في صياغة وتقييم إجراءات السلامة يُعزِّز التزامهم بها، ويُحوِّلهم من مُتلقِّين للتعليمات إلى شركاء فاعلين في منظومة الوقاية، ويمكن دعم هذا النهج عَبْر الخطوات التالية:
- إنشاء لجان سلامة تضمُّ ممثِّلين عن مختلف الفِرَقِ.
- تخصيص قنوات لتقديم الملاحظات أو التَّبليغ عن المخاطر.
- الكفاءة المهنيَّة أساس بيئة العمل الآمنة:
لا يمكن تصوُّر بيئة آمنة دون طواقم مؤهَّلة ومدرَّبة، فالسلامة لا تعتمد فقط على المُعدَّات أو الإجراءات، بل على مدى وَعْي العاملين وقدرتهم على الاستجابة للمواقف الخطرة؛ لذا يجب التعامل مع التدريب على أنه استثمار استراتيجي، لا مجرَّد إجراء روتيني، ولتعزيز الكفاءة المهنيَّة يمكن اتِّخاذ ما يلي:
- وَضْع معايير دقيقة للمؤهِّلات المطلوبة في كلِّ وظيفة.
- توفير برامج تدريب تأسيسيَّة وتطويرية مُحدَّثة بانتظام.
- وضع أهداف سلامة واضحة قابلة للقياس:
التَّحسين الفعلي لا يتحقَّق بالرغبة وحدها، بل بقياس الأداء وتوجيهه عَبْر أهداف واقعية ومحددة، وتحديدُ مؤشرات أداء خاصة بالسلامة يخلق بيئةً تنافسيةً إيجابية، ويُحفِّز على السلوك الوقائي، ولضمان فاعلية هذا التوجُّه، يُنْصح بالتالي:
- تحديد مؤشرات أداء خاصة بالسلامة (مثل: عدد الحوادث، وَنِسَب الامتثال).
- تقسيم الأهداف إلى مراحل زمنيَّة، وخطط تنفيذيَّة يمكن مراقبتها.
- القيادة الفاعلة: قدوة في السلامة قبل أن تكون رقابةً:
القيادة في مجال السَّلامة تتجاوز التَّوجيه والإشراف، فهي تبدأ من الالتزام الشخصي، وتقديم القدوة، فحين يرى العاملون رؤساءهم يتبنَّون السلوك الآمن، يتعزَّز احترامهم لمبادئ الوقاية، وتزداد فرص الالتزام الحقيقي، ولتجسيد القيادة الفاعلة، يمكن اتِّباع ما يلي:
- تنظيم جولات تفقُّدية دورية من قِبَلِ المسؤولين الكبار.
- دمج مؤشرات السلامة في تقييم أداء القادة والمشرفين.
- التمكين: منح العاملين سلطة اتِّخاذ القرار الآمن:
ثقافة السلامة القوية تُبْنى على الثقة، فحين يُمْنح الموظف صلاحية إيقاف العمل في حال شعوره بوجود خطر، فإنَّ المؤسسة تُظْهر التزامًا حقيقيًّا بحماية الأرواح، والتمكين هنا لا يعني فقط التفويض، بل زَرْع حسِّ المسؤولية والوعي، ويمكن ترسيخ هذه الثقافة عَبْر المبادرات التالية:
- إنشاء أنظمة تتيح وَقْف العمل في حال وجود خطرٍ فوريٍّ.
- تدريب العاملين على كيفيَّة اتِّخاذ قرارات السلامة بثقة واستقلالية.
- المكافأة الإيجابيَّة: تحفيز ثقافة الالتزام بالسلامة:
الثَّقافة التي تُكَافئ السلوك الآمن تَبْني بيئةً إيجابيةً تُحفِّز على الوقاية قبل وقوع الحوادث، وحين يُحْتفى بالسلامة كما يُحْتفى بالإنتاج، تتغيَّر الأولويات، وتترسَّخ قِيَم جديدة في المؤسَّسة، ومن وسائل التَّحفيز التي يمكن اعتمادها:
- تقديم مكافآت أو شهادات تقدير للعاملين الملتزمين بالسُّلوك الآمن.
- تضمين السَّلامة في معايير التَّرقية، أو تقييم الأداء السنوي.
- التدريب المستمر: تحصين دائم ضدَّ الحوادث:
إنَّ ما يُعتَبر معرفة اليوم قد يصبح خطر الغد إنْ لم يُحدَّث. والتغيُّر السريع في التقنيات وأساليب العمل يفرض على المؤسسات أن تجعل من التدريب عمليةً دائمةً لا تنتهي، ولتحقيق تدريب فعَّال ومستدام، يُوصَى بالتالي:
- تنظيم دورات تدريبيَّة دورية تُحَاكي سيناريوهات واقعية.
- اعتماد منهجيَّات تفاعلية؛ مثل: المُحَاكاة والتجارب الحيَّة.
ثانيًا: تحليل السلامة الوظيفيَّة كأداة لتعزيز بيئة العمل الآمنة:
يُعدُّ تحليل السلامة الوظيفية (Job Safety Analysis – JSA) من الأدوات الحديثة والفعَّالة التي تُسْهم بشكل مباشر في خفض معدلات الحوادث والإصابات داخل مواقع العمل، ويقوم هذا التحليل على مبدأٍ استباقيٍّ يتمثَّل في دراسة كل وظيفة أو مهمة بشكل دقيق لاكتشاف الأخطار المحتملة المرتبطة بها، ثمَّ صياغة خطوات وقائيَّة تمنع وقوع الحوادث قبل حدوثها. ويُعتبَر هذا النوع من التحليل عنصرًا محوريًّا في بناء ثقافة السلامة المستدامة داخل المؤسسات، ويساعد على رفع وَعْي الموظفين، وتعزيز مسؤوليتهم تجاه بيئة العمل، ويتضمَّن هذا التحليل أربع خطوات رئيسة:
- اختيار الوظائف المستهدفة بالتحليل:
تبدأ عمليَّة تحليل السلامة الوظيفية باختيار المهام أو الوظائف التي تُعدُّ أكثر عُرْضةً للمخاطر، ويتمُّ ذلك وَفْقًا لمعايير تشمل عدد الحوادث السابقة المرتبطة بالوظيفة، أو استخدام مُعدَّات خطرة، أو تكرار الشكاوى والملاحظات من العاملين، وهذه الخطوة تضمن تَوْجيه الجهد إلى النِّقاط الحرجة ذات الأولويَّة، وتُسْهم في تحسين الأداء العام لبرامج السلامة.
مثال تطبيقي: في أحد المصانع الكيميائيَّة، تمَّ اختيار وظيفة (مراقب تعبئة خزَّانات مواد كيميائية)؛ لأنَّها سجَّلت ثلاث حالات تسريب خلال الأشهر الستَّة الماضية، ولأنها تتطلَّب التعامل مع مواد عالية الخطورة.
- تقسيم الوظيفة إلى خطوات عمل متسلسلة:
بعد تحديد الوظيفة المستهدفة، يتمُّ تقسيمها إلى سلسلةٍ من الخطوات التفصيليَّة التي تُكَـوِّن سَيْر العمل اليومي، وهذا التفصيل يُسهِّل فَهْم العمليات الدقيقة التي يجري تنفيذها، ويكشف تلقائيًّا عن نقاط التَّلامس المحتملة بين العامل والمخاطر. ومن المهم أن تكون الخطوات واضحةً، ومرتبةً زمنيًّا، ومَبنيَّةً على مراقبة ميدانية حقيقية، وليس على التوقُّعات أو المعلومات النظرية فقط.
مثال تطبيقي: بالنسبة لوظيفة (عامل صيانة كهربائية)، تمَّ تقسيم العمل إلى (7 خطوات) تبدأ من الوصول إلى موقع العطل، وتنتهي بإعادة التيار الكهربائي، وهذا التقسيم كَشَف عن خطوتين تتضمَّنان احتمالات عالية للتعرُّض لتيار كهربائي مباشر.
- تحديد الأخطار المرتبطة بكل خطوة:
لكلِّ خطوة من خطوات العمل، يتمُّ رصد وتحديد المخاطر التي قد تَنْجم عنها؛ سواء كانت ميكانيكيَّة، أو كهربائيَّة، أو كيميائيَّة، أو تتعلَّق بعوامل بشرية؛ مثل: (التعب، والإجهاد، أو قلَّة التدريب)، ويتمُّ ذلك باستخدام أدوات تقييم المخاطر المعتمدة، إلى جانب الاستعانة بخبرة العاملين والمشرفين؛ ممَّا يُعزِّز من شمولية ودقَّة التحليل، والهدف هنا ليس فقط معرفة الخطر، بل فَهْم آليَّاته، وسُبُل تطوُّره المحتمل.
مثال تطبيقي: في خطوة (فتح لوحة الكهرباء)، تمَّ تحديد خطر التعرُّض لصعقة كهربائية ناتجة عن شحنة غير مفرَّغة في مُكَثِّف الطاقة، وهو خطر لم يكن مُوَثقًا مسبقًا، ولكنه تكرَّر فعليًّا في مواقع مشابهة.
- تطوير إجراءات وقائيَّة لكلِّ خطر محدد:
بِناءً على ما سبق، يتمُّ وَضْع توصيات دقيقة وواضحة حول الإجراءات التي ينبغي اتِّخاذها لمنع أو تقليل أثر كلِّ خطر، وتتضمَّن هذه الإجراءات: توفير مُعدَّات حماية شخصية، وتعديل تصميمات العمل أو المُعدَّات، وإعادة توزيع المهام، أو توفير تدريب خاص لبعض الخطوات، كما يجب أن تكون هذه الإجراءات قابلةً للتطبيق، ومتناسبةً مع طبيعة بيئة العمل، مع ضرورة مراجعتها دوريًّا، وتحديثها حسَب الحاجة.
مثال تطبيقي: لمَنْع الخطر في المثال السابق، تمَّ اعتماد إجراءٍ جديدٍ ينصُّ على تفريغ الشحنات الكهربائية باستخدام أداة مخصصة قبل أي عملية صيانة، وتدريب العمال على استخدامها خلال دورة السلامة السنوية.
الخاتمة:
في النهاية، من الواضح أنَّ بناء بيئة عمل آمنة لا يتمُّ عَبْر توجيهات عامَّة، أو سياسات مكتوبة فقط، بل من خلال التزام حقيقي يبدأ من أعلَى المستويات الإدارية، ويمتدُّ حتى أصغر التفاصيل اليومية في موقع العمل. والسلامة ليست مشروعًا مؤقتًا، بل هي عمليَّة مستمرَّة تتطلَّب تطويرًا دائمًا، وتقييمًا دقيقًا، واستعدادًا للاستجابة السريعة عند الحاجة.
إنَّ دَمْج ممارسات الوقاية اليوميَّة مع أدوات تحليلية (مثل: تحليل السلامة الوظيفيَّة)، يمنح المؤسسات قدرةً استباقيةً لمواجهة المخاطر، والتقليل من آثارها، بل تعزيز الإنتاجية كذلك، وتحقيق التميُّز التشغيلي. إنَّ الاستثمار في السلامة ليس عبئًا ماليًّا، بل هو ركيزة من ركائز التنمية المستدامة، وجودة الأداء المؤسسي، وهكذا تصبح السلامة عنصرًا أساسيًّا في استقرار المؤسسة، ووسيلةً لحماية أثمن ما تملك (الإنسان).