مقدمة:
في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة التطوُّر العمرانـي، وتزداد فيه أعداد المَرْكبات ومُسْتخدمي الطرق، تبقى السلامة المرورية حجر الأساس الذي تقوم عليه جودة الحياة والتنمية المستدامة، وبينما تتنوَّع التحديات المرورية بين الدول، يظهر برنامج تقييم الطرق الدولي IRAP كأحد أبرز الأدوات العالميَّة التي تسعى إلى تحقيق نَقْلة نوعيَّة في منظومة السلامة المرورية، من خلال نهجٍ علميٍّ مُوحَّد، وشَراكات واسعة، وأدوات تقييم فعَّالة.
ما برنامج IRAP؟
IRAP “International Road Assessment Programme” (البرنامج الدولي لتقييم الطرق) هو مبادرة عالميَّة غير ربحيَّة تهدف إلى إنقاذ الأرواح، وتقليل الإصابات الجسيمة الناتجة عن الحوادث المروريَّة، من خلال تقييم جودة الطُّرق وتصنيفها وَفْقًا لمستوى خطورتها،

ويعتمد البرنامج على أدوات علميَّة دقيقة؛ مثل: (خرائط المخاطر، وتصنيف النجوم، وخطط الاستثمار الآمن، وتتبُّع الأداء)، ويستند إلى بيانات موثوقة، وتحليل شامل لمخاطر الطُّرق ومُكوِّناتها.
لماذا نحتاج إلى IRAP؟
تشير إحصاءات منظَّمة الصحَّة العالمية إلى أنَّ الحوادث المرورية تتسبَّب سنويًّا في وفاة أكثر من 1.35 مليون شخص، فضلًا عن إصابة ما يتـراوح بين (30 إلى 50 مليون) آخرين بإصابات متفاوتة الخطورة، والأَدْهَى من ذلك أنَّ الحوادث باتت السَّبب الأول للوفاة بين الفئة العمرية من (5 إلى 29 عامًا)، وفي ظلِّ هذا الواقع المرير لم يَعُدْ من المقبول أن تبقى الطرق مجرَّد ممرَّات للإنتاج والتنقُّل، بل يجب أن تكون مساحات آمنة للحياة.
وهنا تأتـي أهمية IRAP، حيث يعمل البرنامج وَفْق فلسفة تُشْبه برامج الصحة العامَّة في محاربتها للأوبئة، من خلال نَهجٍ وقائيٍّ شامل يستهدف معالجة أسباب الخطر قبل وقوع الحوادث، وليس فقط الاستجابة لها بعد فوات الأوان.
انتشار عالمي وشراكات مؤثرة:
منذ انطلاقه، حقَّق IRAP انتشارًا عالميًا لافتًا، حيث تم تنفيذ تقييمات IRAP في أكثر من (135 دولة)، بينما يمتدُّ تأثيره وشَراكاته ليشمل ما يقارب (185 دولة) حول العالم، وتشير الإحصاءات الحديثة حتى يونيو 2025 إلى:
- تمَّ توجيه أكثر من (113 مليار دولار) من الاستثمارات في البُنْية التحتيَّة نحو تحسين السلامة استنادًا إلى أدوات IRAP.
- 2 مليون كيلو متر من الطرق تمَّ تصنيفها وَفْق تصنيف النجوم.
- المساهمة في إنقاذ أكثر من 700,000 حياة، أو الوقاية من إصابات خطيرة، وَفْق نماذج IRAP التقديريَّة حتى نهاية 2024
ويَفْخر البرنامج بشبكة من الشُّركاء تتضمَّن (36 ألف) جهةً، و(288 ) ممارسًا معتمدًا، و(159 شريكًا) في الابتكار، جميعُهُم يعملون بروحٍ واحدةٍ نحو هدفٍ نبيلٍ: عالَم خالٍ من الطرق عالية الخطورة.
أدوات التقييم والتأثير:
تصنيف النجوم (Star Rating):
يتمُّ تقييم الطرق من خلال تصنيفها بنظام النجوم من (1 إلى 5)، حيث تعني النجمة الواحدة طريقًا عالي الخطورة، بينما تُمثِّل الخمس نجوم بيئة مروريَّة آمنة نسبيًّا.
خرائط المخاطر (Risk Mapping):
تَعْتمد على بيانات الحوادث المروريَّة، وتحليل أنماطها لرسم خريطة حراريَّة تُوضِّح النِّقاط السوداء في شبكة الطرق، وتساعد صُنَّاع القرار على توجيه الاستثمارات بفعالية نحو المواقع الأكثر خطورةً.
خطط الاستثمار الآمن (Safer Roads Investment Plans):
تقدم توصيات عمليَّة ومدعومة اقتصاديًّا حول الإجراءات التي يمكن اتِّخاذها لتحسين السلامة، مع تحليل دقيق للعائد من كلِّ استثمار (Benefit-Cost Ratio) ؛ إذ تشير الدِّراسات إلى أن كلَّ دولار يُسْتثمر في تحسين السلامة على الطرق يعود بأرباحٍ اجتماعية وصحية واقتصادية كبيرة.
تتبُّع الأداء والسياسات (Policy and Performance Tracking):
يَسْتخدم البرنامج أدوات تتبُّع تساعد الحكومات على قياس مدى التقدُّم في تحقيق أهداف السلامة، خصوصًا تلك المتعلقة بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
التزامات دوليَّة وأهداف استراتيجية:
- من أبرز إنجازات IRAP على المستوى الدولي: مساهمتُهُ الفاعلة في تحقيق أهداف الأمم المتَّحدة للتنمية المستدامة، لا سيَّما الهدف الخاص بتقليص الوفيات الناجمة عن الحوادث المروريَّة إلى النصف بحلول عام 2030، كما يدعم تحقيق الهدفين الثالث والرابع من أهداف السلامة العالميَّة.
وتشير التقديرات الأمميَّة إلى أنَّ تحقيق أهداف السلامة المروريَّة العالمية بحلول 2030، بدعم برامج مثل IRAP ، قد يُسْهم في إنقاذ أكثر من 402,000 حياة سنويًّا.
التدريب وبناء القدرات:
يحرص IRAP على تمكين الأفراد والمؤسسات من أدواته عَبْر مجموعة واسعة من برامج التدريب، تشمل:
- ندوات مباشرة عَبْر الإنترنت.
- دورات إلكترونية ذاتيَّة التنفيذ.
- عروض تقديميَّة مسجَّلة.
- تدريبات حضوريَّة ميدانية.
- برامج إرشاد (Mentoring).
وقد تجاوز عدد المتدرِّبين في برامج IRAP مئات الممارسين المعتمدين عالميًّا؛ ممَّا يعكس التأثير الواسع للبـرنامج في بناء كوادر مؤهَّلة عالميًّا.
الأثر الاجتماعي والاقتصادي:
من الناحية الاجتماعية: تُظْهر مبادرات IRAP تأثيرًا ملموسًا في إنقاذ الأرواح، والحد من الإصابات الخطيرة، حيث أَسْهَمت في مَنْع أكثر من 700,000 وفاة وإصابة خطيرة حول العالَم خلال أقل من عِقْدٍ، هذا الإنجاز يعكس قيمة الاستثمار في البُنْية التحتيَّة الآمنة، ودور الطرق المحسَّنة في حماية أكثر الفئات هشاشة؛ مثل: الأطفال والشباب، الذين تُعدُّ الحوادث المرورية السَّبب الأول لوفاتهم عالميًّا. وتحسين البيئة المروريَّة من خلال تقييم الطرق، ورفع تصنيف النجوم، وتطبيق تدخُّلات فعَّالة؛ مثل: مسارات الدرَّاجات الآمنة، ومَعَابر المشاة المحميَّة، وتهدئة السُّرعات.
أمَّا اقتصاديًّا، فإنَّ الاستثمار في السلامة على الطرق يُعدُّ أحد أعلى الاستثمارات مردودًا على مستوى المال العام، فكلُّ دولار يُصْرف على تحسين البُنْية التحتية المرورية ينعكس على شكل وُفُورات ضخمة في تكاليف العلاج، والإسعاف، والتعطُّل عن العمل، والخسائر الإنتاجية. والدول التي تبنَّت منهجيات IRAP شهدت انخفاضًا كبيرًا في الأعباء الماليَّة المرتبطة بإصابات الطرق، وتحسُّنًا في إنتاجية القوى العاملة، وتقليلًا في الضغط على القطاع الصحي.
خاتمة:
يُمثِّل برنامج IRAP خطوةً فارقةً في مسيرة العالَم نحو طرقٍ أكثر أمانًا، فمن خلال أدواته العلمية، وشَراكاته الدولية، ونَهْجه الوقائيِّ، يُسْهم البرنامج في بناء مستقبل تقلُّ فيه الوفيات، وتزداد فيه جودة الحياة. إنَّ بناء طرق آمنة ليس ترفًا هندسيًّا، بل هو التزام أخلاقي وتنموي تجاه الأجيال القادمة، وIRAP يمنحنا خارطة الطريق لتحقيق ذلك.