محتويات علمية

الوطأة الحرارية والبرودية في علم السلامة المهنية

تُعد الوطأة الحرارية والوطأة البرودية من أخطر المخاطر الفيزيائية في بيئات العمل، خاصة في القطاعات الصناعية، الإنشائية، والزراعية، وكذلك في الأعمال الخارجية أو داخل البيئات المغلقة ذات التحكم الحراري غير الكافي. ويكمن الخطر الحقيقي في أن تأثير هذه الوطآت لا يحدث فجأة فقط، بل قد يتراكم تدريجيًا حتى يصل بالعامل إلى مرحلة خطرة تهدد صحته وحياته.

أولًا: مفهوم الوطأة الحرارية (Heat Stress)

الوطأة الحرارية هي الحالة التي يتعرض فيها جسم الإنسان لضغط ناتج عن التعرض لدرجات حرارة مرتفعة تتجاوز قدرة الجسم الطبيعية على تنظيم حرارته الداخلية. وقد تكون هذه الحرارة ناتجة عن الطقس الحار، أو العمليات الصناعية، أو المجهود البدني العالي.

ولا تعتمد الوطأة الحرارية على درجة حرارة الجو فقط، بل هي نتيجة تفاعل عدة عوامل مجتمعة، تشمل:

  • درجة حرارة الهواء المحيط.
  • نسبة الرطوبة.
  • سرعة حركة الهواء.
  • الإشعاع الحراري أو الشمسي.
  • الحرارة الناتجة عن جسم الإنسان أثناء العمل أو المجهود البدني.

وعندما يتجاوز مجموع هذه العوامل قدرة الجسم على التكيّف الحراري، يحدث ما يُعرف بالإجهاد الحراري (Heat Stress).

المخاطر الصحية للوطأة الحرارية

تشمل المخاطر الناتجة عن الإجهاد الحراري عدة مستويات، منها:

  • الجفاف وفقدان الأملاح.
  • الإجهاد الحراري.
  • الإنهاك الحراري.
  • ضربة الشمس، وهي أخطر مراحل الوطأة الحرارية وقد تكون قاتلة.
  • انخفاض القدرة على التركيز والأداء، مما يزيد من احتمالية وقوع الحوادث المهنية.

ثانيًا: مفهوم الوطأة البرودية (Cold Stress)

الوطأة البرودية هي الإجهاد الذي يتعرض له جسم الإنسان نتيجة التعرض لدرجات حرارة منخفضة تتجاوز قدرته على الحفاظ على درجة حرارته الطبيعية. وتظهر هذه الحالة بشكل شائع في الأعمال الخارجية خلال الطقس البارد، أو داخل الثلاجات الصناعية، أو غرف التجميد، أو عند التعرض لرياح باردة قوية.

وتتأثر الوطأة البرودية بعدة عوامل، أهمها:

  • انخفاض درجة حرارة الهواء.
  • سرعة الرياح التي تسرّع فقدان حرارة الجسم.
  • ملامسة الأسطح الباردة.
  • ارتداء ملابس غير كافية أو غير مناسبة.
  • العمل في بيئات تجميد أو تبريد صناعي.

وعندما تعجز آليات الجسم الطبيعية عن إنتاج أو الاحتفاظ بالحرارة، يحدث ما يُعرف بالإجهاد البرودي (Cold Stress).

المخاطر الصحية للوطأة البرودية

من أبرز المخاطر المرتبطة بالإجهاد البرودي:

  • التشنجات العضلية.
  • تجمد الأطراف (Frostbite).
  • العضّة الباردة (Chilblains).
  • انخفاض حرارة الجسم (Hypothermia).
  • ضعف التركيز وزيادة احتمالات الحوادث.
  • مضاعفات تنفسية أو قلبية لدى بعض الفئات.

الفئات الأكثر عرضة لمخاطر الوطأة الحرارية والبرودية

لا يتأثر جميع العاملين بالوطأة الحرارية أو البرودية بنفس الدرجة، إذ توجد فئات أكثر هشاشة تكون عرضة لتدهور صحي أسرع ومضاعفات أخطر عند التعرض لدرجات حرارة غير ملائمة. وتشمل هذه الفئات:

  • العمال الجدد أو غير المتأقلمين على ظروف العمل الحرارية.
  • كبار السن، نظرًا لانخفاض كفاءة آليات تنظيم حرارة الجسم.
  • المصابون بأمراض مزمنة مثل أمراض القلب، الضغط، أو السكري.
  • العاملون الذين يتناولون أدوية تؤثر على تنظيم حرارة الجسم أو فقدان السوائل.

وتتطلب هذه الفئات تطبيق ضوابط إضافية، مثل تقليل زمن التعرض، زيادة فترات الراحة، المراقبة الصحية المستمرة، والتدخل المبكر عند ظهور أي أعراض إجهاد حراري أو برودي، وذلك ضمن إطار إدارة المخاطر المهنية وحماية صحة العاملين.

ثالثًا: الإطار القانوني والتنظيمي

في قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025، تنص المادة (246) على التزام صاحب العمل بتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل، بما يشمل الحماية من المخاطر الفيزيائية مثل الحرارة والبرودة.

كما يشير قرار رقم 211 لسنة 2003 إلى الجداول العتبية لدرجات الحرارة والبرودة التي يجب الالتزام بها داخل مواقع العمل.

وعلى المستوى الدولي، تلزم المواصفة ISO 45001 المؤسسات بتحديد المخاطر المرتبطة بظروف العمل، ومنها مخاطر الوطأة الحرارية والبرودية، وتقييمها ووضع ضوابط للسيطرة عليها، وذلك من خلال:

  • البند 6.1.1: الإجراءات العامة لتحديد المخاطر والفرص.
  • البند 6.1.2: تحديد المخاطر وتقييم المخاطر.
  • البند 8.1: التخطيط والتشغيل والسيطرة على المخاطر التشغيلية.

رابعًا: السلوك الآمن وضوابط الوقاية داخل المنشآت

لا تقتصر إدارة مخاطر الوطأة الحرارية والبرودية على توفير معدات أو لوائح مكتوبة، بل تعتمد بشكل أساسي على السلوك الآمن والتنظيم الصحيح للعمل.

السلوك الآمن في مواجهة الوطأة الحرارية

  • تنظيم فترات العمل والراحة خاصة في أوقات الذروة الحرارية.
  • تقليل التعرض المباشر لأشعة الشمس.
  • توفير مياه شرب كافية وأملاح معدنية.
  • استخدام معدات وقاية شخصية مناسبة للحرارة.
  • مراقبة العلامات المبكرة للإجهاد الحراري.
  • وضع خطط طوارئ واضحة للتعامل مع الحالات الحرارية.

السلوك الآمن في مواجهة الوطأة البرودية

  • ارتداء ملابس واقية متعددة الطبقات.
  • تقليل زمن التعرض للبرودة الشديدة.
  • توفير أماكن دافئة للراحة.
  • تجنب ملامسة الأسطح الباردة مباشرة.
  • تدريب العاملين على التعرف على أعراض انخفاض حرارة الجسم.
  • مراقبة العاملين ذوي الحالات الصحية الخاصة.

إن الوطأة الحرارية والبرودية ليست مجرد ظروف مناخية غير مريحة، بل هي مخاطر مهنية حقيقية قد تؤدي إلى إصابات جسيمة أو وفيات إذا لم تتم إدارتها بشكل علمي ومنهجي. ويُعد الالتزام بالقوانين المحلية والمعايير الدولية، إلى جانب تعزيز السلوك الآمن داخل مواقع العمل، حجر الأساس لحماية العاملين وضمان استمرارية العمليات بأمان.

فالسلامة المهنية تبدأ بالوعي، وتستمر بالتطبيق، وتنتهي بالحفاظ على الإنسان أولًا.

موضوعات ذات صلة

1 تعليقات على “الوطأة الحرارية والبرودية في علم السلامة المهنية

  1. يقول Ayanna Bond:

    Very well presented. Every quote was awesome and thanks for sharing the content. Keep sharing and keep motivating others.

اترك رداً على Ayanna Bond إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *