المقدِّمة:
تُعدُّ خزَّانات البترول ركيزةً أساسيةً في السلامة في صناعة النفط والغاز، حيث تُسْتخدم لتخزين كميات هائلة من المواد البترولية التي تتميَّز بقابليتها العالية للاشتعال، وتُبْنَى هذه الخزَّانات وَفْقًا لمعايير فنيَّة صارمة لضمان استقرارها، لكن طبيعة المواد المخزونة تجعلها دائمًا عُرْضةً لمخاطر جسيمة؛ أهمُّها: احتمالية اندلاع الحرائق. ولا تقتصر الأضرار المحتملة على الخسائر المادية، وتدمير المواد المخزونة فحَسْب، بل تمتدُّ لتشمل تهديدًا خطيرًا للأرواح والممتلكات، إلى جانب التلوُّث البيئي الناتج عن انبعاث الغازات السامَّة.
وفي ظلِّ المخاطر الكبيرة التي تواجه خزَّانات تخزين البترول في شركات التكرير من حيث الاشتعال وحرائق المواد البترولية، ظهرت الحاجة القويَّة لاعتماد تقنيات متطورة، وأنظمة مكافحة حرائق فعَّالة، هذه الأنظمة تجمع بين الكشف المبكِّر، والتبريد، والإطفاء بالرغوة لضمان السلامة، وسرعة الاستجابة، وتقليل الأضرار، كما أصبحت التكنولوجيا الرقميَّة والذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزَّأ في رفع مستوى السلامة، والإدارة الذكيَّة لمخاطر الحرائق في هذا القطاع الحيويِّ.

وتشير دراسة دولية في 2023 إلى وجود 484 حادثة حرائق خزَّانات وقود تمَّ توثيقها حول العالَم خلال سنوات متفرِّقة في قاعدة بيانات شملت مناطق عدَّة.
عوامل احتراق المادة البترولية:
احتراق المادة البترولية يحتاج إلى أربعة عوامل رئيسة: مادة قابلة للاشتعال، وأكسجين، ومصدر حرارة أو شرارة كافية، وسلسلة التفاعل الكيميائي.
وإذا توفَّرت هذه الأركان الأربعة، تحدث عمليَّة الاشتعال الَّتي يمكن أن تتسبَّب في كارثة إذا لم تتحكَّم بها بسرعة، وخزَّانات البترول تُصَمَّم لمقاومة الظُّروف المختلفة؛ مثل: الضغط، ودرجات الحرارة، والمواد المخزونة فيها من أكثر المواد خطورةً بسبب سهولة اشتعالها.
احتراق خزَّان واحد قد يؤثِّر على منطقة واسعة.
السلامة من خطر اشتعال المادة البتروليَّة:
السَّلامة من خطر اشتعال المادة البتروليَّة تعتمد على فَهْم خصائص المادَّة، وطرق التعامل معها بأمانٍ، ولفَهْم كيفيَّة الوقاية بشكل فعَّال، نعتمد على تعريفات أساسيَّة في عالَم المواد القابلة للاشتعال:
- نقطة الوميض (Flash Point): هي أدنى درجة حرارة تنطلق عندها أبخرة من المادَّة بحيث يمكن أن تشتعل عند وجود مصدرٍ مستمرٍّ للاشتعال.
- درجة حرارة الاشتعال :Ignition point temperatureأقل درجة حرارة عندها تشتعل الأبخرة تلقائيًّا دون الحاجة لمصدر إشعال خارجي.
- مدى الاشتعال Flammable (explosive) Range: هو النطاق بين أقل وأعلى تركيزٍ للغاز أو الأبخرة في الهواء؛ حيث يمكن أن يحدث الاشتعال فقط داخل هذا النطاق.
ومعرفة هذه النِّقاط تحمي المُشغِّلين من تفويت تحذيرات مبكِّرة عند الوصول لحرارة أو تركيز بخار خطر. ونقطة الوميض تَتفَاوت بين المواد السائلة والغازية، ودرجة حرارة الاشتعال أعلَى من نقطة الوميض دائمًا، ومدى الاشتعال يُحدِّد إذا ما كان الخليط خطيرًا أم لا، وهذه القِيَمُ مهمَّة لتصميم أنظمة الإنذار والسلامة.
أنواع المواد البترولية، ومدى قدرتها على الاشتعال:
تتنوَّع المواد البترولية في قدرتها على الاشتعال، وهي تُقسَّم إلى:
- الغازات القابلة للاشتعال: مثل الميثان والهيدروجين التي تنتشر بسرعة، وتُشكِّل مخاطر انفجار كبيرة.
- السوائل الخفيفة والمتوسطة: مثل البنزين والكيروسين، تتميَّز بنقطة وميض منخفضة؛ ممَّا يجعلها تشتعل بسهولة.
- الزُّيوت الثقيلة: التي لها نقطة وميض أعلى، لكنها ما تزال تُشكِّل خطرًا كبيرًا عند التأثيرات، والتعرُّض للحرارة.
وكل نوعٍ من المواد يستدعي طرقًا خاصَّةً في التخزين والوقاية والتحكُّم في الحرائق.
الغاز قابل للانفجار حتَّى بكميات قليلة، والسوائل القابلة للاشتعال تحتاج تبريدًا، وأسلوب تغطية لمَنْع الاشتعال، والزيوت الثَّقيلة أكثر استقرارًا، لكنها قابلة للاشتعال في ظروف مُعيَّنة.
تصنيف الموادِّ يساعد في منع الحوادث عَبْر إجراءات متخصصة.
التدرُّج الحراري (Thermal Stratification) وتأثيره على خزَّانات البترول أثناء الحريق:
يحدث أثناء الحريق داخل خزَّانات البترول ظاهرة تُسمَّى: التدرُّج الحراري (Thermal Stratification) التي تعني وجود طبقات بدرجات حرارة متفاوتة داخل خزَّان التخزين؛ حيث ترتفع درجة حرارة الطبقات العليا، أو المنطقة المُعرَّضة مباشرة للحرارة، بينما تَبْقى الطبقات السُّفلى أقل حرارةً.
هذا التدرُّج في درجات الحرارة يُسبِّب عدم توازن في الضغوط والتمدُّد الحراري على جدران الخزان؛ إذ تتوسَّع الطبقات الساخنة بشكلٍ أكبر من الأجزاء الباردة، ما يؤدِّي إلى إجهادات حرارية غير متساوية تُسبِّب تشقُّقات، وتشوُّهات، أو حتى انهيارات جزئية في جدران الخزان.
ومثل هذا الضغط الحراري غير المتوازن يُعَدُّ من أكبر المخاطر التقنية التي تؤدِّي إلى فشل الهيكل المعدنـي للخزَّان؛ ممَّا يزيد من احتمالية تسريب المواد البترولية، وحدوث حرائق أو انفجارات أكبر.
وعند درجة حرارة حوالي 600 درجة مئوية، يفقد الفولاذ حوالي 50% من قوَّته الميكانيكية الأصلية؛ ممَّا يعني أنَّ مقاومته للضغط والشدِّ تنخفض بشكل كبير عند هذه الحرارة الحرجة، وهذا الانخفاض الكبير في القوَّة يجعل الهيكل المعدنـي لخزَّانات البترول أكثر عُرْضةً للتشقُّق، والتشوُّه، أو الانهيار الجزئي أثناء الحريق، خاصةً مع وجود تدرُّج حراري (Thermal Stratification) داخل الخزَّان؛ لذلك يُعدُّ التبريد المستمر والمكثَّف ضروريًّا لمَنْع وصول درجة حرارة الفولاذ إلى هذا المستوى الخطير؛ ممَّا يحافظ على سلامة الهيكل، ويُقَلِّل من مخاطر الانهيار، وضمن السَّيطرة على الحريق بشكل أفضل.
لهذا السبب، تعتمد إدارة مكافحة الحرائق على التَّبْريد المتوازن باستخدام رشَّاشات المياه لتقليل التدرُّج الحراري، إضافةً إلى المراقبة المستمرَّة لدرجات الحرارة عَبْر أنظمة استشعار متعدِّدة لضمان الحفاظ على سلامة الخزان، ومَنْع الضرر الهيكلي الناتج عن التمدُّد المختل.
تصنيف المناطق الخطرة داخل المصافـي ومنشآت التخزين:
من أجل إدارة سلامة المنشآت، تُوضَعُ قواعد لتصنيف المناطق الخطرة داخل المصافـي ومنشآت التخزين، وتصنيف المناطق الخطرة يُسْتخدم لتحديد أماكن وجود أجواء متفجِّرة محتملة في المنشآت الصناعيَّة، وخاصةً في قطاع النفط والغاز، وهذا التصنيف يُحدِّد مدى تكرار ومدَّة وجود الأبخرة أو الغازات القابلة للاشتعال في الهواء، وينقسم إلى:
- المنطقة (0) (Zone 0): حيث توجد أبخرة خطرة بصورة مستمرَّة أو لفترات طويلة، وغالبًا تكون داخل الخزَّانات أو الحاويات الَّتي تحتوي على مواد بترولية، وتتطلَّب استخدام معدَّات ذات أمان جوهري (Intrinsic Safety) أو مقاومة للانفجار بمعايير صارمة جدًّا.
- المنطقة (1) (Zone 1): أبخرة موجودة خلال فترات التَّشغيل الطبيعيَّة، وتكون لفترات قصيرة أو متقطِّعة، وتُسْتخدم مُعدَّات مقاومة للانفجار أو مُصمَّمة لتكون آمنةً في هذه الظروف.
- المنطقة (2) (Zone 2): أبخرة تظهر فقط في حالات غير عادية، ويكون لفترة قصيرة فقط إذا حدث، والمُعدَّات هنا يجب أن تكون مناسبةً للاستخدام في المناطق الخطرة، لكن مستوى الأمان أقل مقارنةً بالمنطقتين السابقتين.
وتصنيف المناطق يُسهِّل تنظيم العمل باستخدام مُعدَّات وأجهزة متوافقة مع كلِّ منطقة، ويُحدِّد شروط السلامة بما يتناسب مع المستوى الخطير، وكلُّ منطقة تتطلَّب مُعدَّات خاصة مقاومة للانفجار، ووجود لوحات تحذيريَّة وإجراءات صارمة ضرورة، وأيضًا الفحص الدوري للمناطق وخطوط الأنابيب، والتدريب المستمر للعاملين على إجراءات السلامة.
وتصنيف المناطق الخطرة وَفْقًا للمعايير مثل ATEX وIEC يجب أن يُدْمج في كلِّ خطط السلامة لتقليل مخاطر الحوادث، ويُعدُّ التعليم والتدريب الدائم للمُشغِّلين من أساسيات الحفاظ على بيئة عمل آمنة في هذه المناطق الحسَّاسة.
أسباب الحرائق في خزَّانات البترول:
تتعدَّد أسباب الحرائق في خزانات البترول؛ منها:
- تسريب المواد: نتيجة تآكل الخزَّانات، أو تلف الوصلات.
- وجود مصادر اشتعال: شرارات كهربائيَّة، أو أحيانًا التماس الكهربائي في المُعدَّات.
- تراكم الأبخرة: دون تهوية سليمة، أو كشف مبكِّر.
- الإهمال: وعدم الالتزام بإجراءات السلامة.
- وهناك سبب مُحدَّد متَّصل بأختام الأسطح العائمة (Floating Roofs) في خزَّانات البترول يتلخَّص في تدهور هذه الأختام لأسباب متعددة تؤدِّي إلى تسريب الأبخرة القابلة للاشتعال؛ ممَّا يزيد من خطر اندلاع الحرائق حول الخزان، والأسباب الفنيَّة لتدهور أختام الأسطح العائمة تشمل:
- مشاكل في اختيار وتصميم مواد الأختام:
- استخدام مواد غير مناسبة للظروف الكيميائيَّة والحرارية المحيطة في الخزان يؤدِّي إلى تدهور سريع، ومشاكل في الختم.
- عدم التوافق مع درجة الحرارة، حيث تؤدِّي درجات الحرارة العالية إلى تمدُّد المواد، وشيخوخة مبكرة.
- تلف وتركيب غير صحيح:
-
- تَرْكيب الأختام بطريقة غير صحيحة، أو وجود زوايا غير ملائمة، قد يؤدِّي إلى تلف الأختام مع مرور الوقت.
- خدوش أو أضرار ماديَّة أثناء التركيب تسبب تسريبات.
- التآكل الكيميائي والبيئي:
-
- تعرُّض الأختام لأشعَّة الشمس المباشرة، والأوزون، والمواد الكيميائية في البيئة تؤدِّي إلى تحلُّل المادة، وتراجع فعاليتها.
- التلوث والضغط الميكانيكي:
-
- وجود شوائب أو جسيمات صُلْبة تُسبِّب تلف الأختام.
- الضغط الميكانيكي غير المتوازن، والتآكل الناجم عن حركة السَّقف العائم يُسْهم في تلف أختام الخزان.
ونتيجةً لهذه العوامل، تظهر تسريبات من الأختام تجعل الأبخرة والغازات القابلة للاشتعال تخرج للخارج، مُهيِّئةً ظروفًا لاندلاع الحرائق عند وجود أي مصدر اشتعال.
مفتاح تجنُّب الحرائق هو:
-
- الصِّيانة والاكتشاف المبكِّر، والعمل المنظَّم، والصيانة المستمرة للكشف عن أي تآكل أو تسريب.
- استخدام مُعدَّات وإنارة مقاومة للانفجار.
- تركيب أنظمة كشف وإنذار مبكِّر.
- توعية العاملين بأهميَّة السلامة الدائمة.
أساليب مكافحة الحرائق في خزَّانات البترول:
مكافحة الحرائق في خزَّانات البترول تتطلَّب تجهيزات متطوِّرة؛ منها:
- استخدام رغوة الإطفاء لتغطية السَّطح، ومنع التفاعل مع الأكسجين.
- تَبْريد الخزان وجدرانه بالماء لتقليل الحرارة، وانتشار النار.
- التحكُّم في ظواهر الفوران والانفجارات الجزئيَّة.
- التدريب العملي على سيناريوهات الطوارئ لجعل الاستجابة فوريَّة وفعَّالة.
- مراقبة مستمرَّة لدرجات الحرارة، وكميَّة الرغوة.
- وجود خطة طوارئ تختصر زمن الاستجابة.
- ثقافة السلامة هي أساس الحماية المستمرَّة.
أنظمة الحماية من الحرائق في خزَّانات البترول تعتمد بشكلٍ رئيسٍ على نظامين: نظام إخماد الحريق بالرغوة، ونظام التَّبْريد بالماء.
أولًا: أنظمة الرغوة لإخماد الحرائق:
تعمل أنظمة الرغوة على تكوين طبقة رغويَّة تغطي سطح المادة البترولية المخزونة داخل الخزَّان، وتعمل هذه الطبقة كحَاجزٍ يمنع تفاعل المادة مع الأكسجين، وبالتَّالي إخماد الحريق، ومَنْع اشتعال الأبخرة، وتعتمد فاعليتها على المَزْج الصحيح بين تركيز الرغوة والماء والهواء لتكوين رغوة متجانسة وفعَّالة.
- هناك أنواع مختلفة من الرغوة المستخدمة حسَب نوع المادة المحترقة؛ منها: رغوة البروتين، ورغوة الفلورو بروتين (Fluoroprotein – FP)، ورغوة تكوين الفيلم المائي (Aqueous Film Forming Foam – AFFF) التي تُكْسبها قدرةً عاليةً على إخماد حرائق الهيدروكربونات، بالإضافة إلى رغوة مقاومة للكحول (Alcohol-Resistant Foam – AR-AFFF) التي تُسْتخدم للسوائل القطبية، والمخاطر المعقَّدة.
- تُطَبق أنظمة النِّسب الصحيحة والتَّركيزات ضمن معايير واضحة؛ مثل: NFPA 11 حيث تختلف نسبة تَرْكيز الرغوة بين 3% إلى 6% حسَب نوع المادة المخزونة، كما يُسْتخدم أسلوب الحقن السطحي (Surface Injection) أو الحقن تحت السطحي (Subsurface Injection) للرغوة لتغطية السطح بفعاليَّة.
ثانيًا: نظام التَّبريد بالماء:
يُسْتخدم الماء لتَبْريد جدران الخزَّانات من الخارج بهدف تقليل درجات الحرارة، والحيلولة دون تمدُّد المواد والاحتراق الثانوي للخزَّانات المجاورة، ويُعدُّ هذا النِّظام مُكمِّلًا مهمًّا لنظام الرغوة.
- تقنيات التَّبْريد تشمل استخدام حلقات رشٍّ دائرية حول الخزان (Irrigation Rings)، ومراقبة توزيع الماء لضمان تكوين غشاء مائي مستمر يحمي الجدران من الحرارة المباشرة.
- مُعدَّل تزويد الماء، وزاوية الرَّشِّ، وارتفاع الضغط، كلُّها عوامل تؤثر في كفاءة التَّبْريد، حيث إنَّ تدفُّق ماء غير كافٍ قد يؤدي إلى مشاكل؛ مثل: غليان الغشاء المائي؛ ممَّا يترك تضاريس على الجدران غير مبردة.
مراقبة واكتشاف الحرائق:
نظمة كشف حرائق خطية (Linear Heat Detection Cable – LHDC) تُوضَع حول الخزَّانات للكشف المبكر عن علامات الارتفاع الحراري، أو نشوب حريق، وتعمل هذه الأنظمة بشكلٍ تلقائيٍّ لبدء تشغيل أنظمة الرغوة والتبريد بصورة فوريَّة لاحتواء الحريق قبل انتشاره.
مُعدَّات مكافحة الحرائق:
يشمل النظام مُعدَّات ثابتة؛ مثل: منافذ الرَّشِّ المدمجة (foam chambers)، وموزعات الرغوة، وأنظمة التَّبْريد المحيطة، وأجهزة التحكُّم والتشغيل التلقائي.
كما تشمل مُعدَّات متنقِّلة (Fire trailers) تحتوي على مضخَّات ومراقبين أنبوبيِّين للتحكُّم في حجم وتوجيه الرغوة والماء عند الحاجة للطوارئ.
معايير السلامة والتصميم:
تطبق معايير؛ مثل: NFPA 11 و API على تصميم وتركيب وصيانة أنظمة إطفاء الرغوة والتبريد لضمان الأداء الأمثل، وتتضمَّن هذه المعايير حدًّا أدنى لمعدلات الرغوة، وتفاصيل أنظمة الحقن لضمان تغطية كاملة لسطح الخزَّان.
ملحوظة:
- الرغوة تمنع النار من الانتشار، والماء يبرد ويحمي الهيكل، ما يجعل كلَّ ثانية مهمَّة لإنقاذ الأرواح.
- الرغوة تُـكَوِّن طبقةً عازلةً على السائل، والتبريد يمنع تمدُّد واحتراق خزَّانات مجاورة.
إدارة الأبخرة وآليَّات قَمْعها:
إدارة الأبخرة وآليَّات قَمْعها في خزَّانات البترول تتضمَّن عدَّة تقنيات وأنظمة تهدف إلى ضبط تدفُّق الأبخرة، وتجنُّب تراكمها داخل وخارج الخزَّانات، وبالتالي مَنْع حدوث تفاعلات الاحتراق؛ وأهمُّها:
أجهزة إخماد اللَّهب Flame Arrestors:
- هي أجهزة يتمُّ تركيبها على مداخل ومخارج التَّهوية في خزانات البترول لمَنْع انتقال اللَّهب من الخارج إلى داخل الخزَّان.
- تعمل هذه الأجهزة على إخماد تقدُّم أو تراجع شعلة النار عَبْر شبكة من الفتحات الضيِّقة، أو المواد المساميَّة التي تُبـرِّد النار، وتَمْنعها من الانتشار داخل الأنابيب أو فتحات التهوية.
- تُسْتخدم لحماية المرافق من الاشتعال المفاجئ نتيجة شرارة أو لهب قد ينتقل عَبْر مسارات التهوية، وهي متوافقة مع معايير؛ مثل: ISO 16852 وATEX.
- تُصمَّم لتتحمَّل أنواع الغازات المختلفة؛ سواء كانت مركَّبات كيميائية خطرة، أو غازات قابلة للاشتعال بمجموعة صناعية محدَّدة Group IIA, IIB, IIC.
أنظمة التغطية الغازية (Gas Blanketing):
- تستخدم هذه الأنظمة ضخَّ غاز غير نشط أو خامل (مثل: النيتروجين) في منطقة الفجوة بين السطح العائم والسائل داخل الخزَّان.
- الغرض من التغطية الغازية هو خَفْض تركيز الأكسجين والأبخرة القابلة للاشتعال إلى مستويات تُقلِّل من قابلية الاشتعال داخل الخزَّان.
- هذا يُقلِّل من خطر الانفجارات الناجمة عن تراكم الأبخرة عند تفاعلها مع الهواء.
- يستخدم معظم مصافـي النفط ومرافق التخزين أنظمةً لضبط الضغط، والحفاظ على توازن غاز النيتروجين عند مستويات مُعيَّنة لضمان الأمان
إدارة تدفُّق الهواء والأبخرة:
- يتمُّ تصميم فتحات التهوية، والتحكُّم في تدفق الهواء بحيث يتمُّ الحدُّ من دخول الأكسجين داخل الخزَّانات، وفي الوقت ذاته السَّماح بخروج الأبخرة الزائدة بشكلٍ آمنٍ.
- واقيات اللَّهب (Flame Arrestors)، وأنظمة الكشف المبكِّر للحرائق مُدْمجة في هذه الأنظمة لضمان استجابة فوريَّة في حال نُشُوب حريق.
- تعتمد الإدارة الصحيحة لتدفُّق الأبخرة على الجمع بين أنظمة الكشف والإنذار المبكِّر مع آليَّات الإخماد التلقائي والرغوة لضمان السيطرة السريعة.
خطر الانفجارات الثانوية:
ظاهرة الانفجارات الثانوية؛ مثل: انفجارات Boilover و BLEVE من أخطر الحوادث الَّتي يمكن أن تحدث في خزَّانات تخزين المواد البترولية عند تعرُّضها للحريق.
تعريف الانفجارات:
- انفجارBoilover يحدث عندما تكون هناك طبقة من الماء أسفل طَبَقةٍ من النفط المحترق داخل الخزَّان؛ وعندما تسخن الطبقة الباطنية من الماء بسرعة إلى درجة الغليان، فإنَّها تتوسَّع فجأةً، وتدفع النفط المحترق إلى الخارج بقوة كبيرة، مُسبِّبةً انتشار نارٍ هائل، وانفجار ناري كبير.
- انفجارBLEVE (Boiling Liquid Expanding Vapor Explosion) : هو انفجار ناجم عن فشل مفاجئ لخزَّان يحتوي مادة سائلة مضغوطة ومُسَخَّنة فوق نقطة غليانها؛ ممَّا يؤدي إلى تحرير سريع جدًّا للبخار، وتوسُّع هائل يُسبِّب انفجارًا عنيفًا يُطْلق كميات كبيرة من البخار والسائل المحترق، مع وجود خطر الحريق المكثَّف والمتفجر.
كيف تحدث هذه الانفجارات؟
في حالة الحريق المستمر على الخزَّان، تُسَخن المادة السائلة داخل الخزان، وعندما يتجاوز ضغط البخار وأُفُق الحرارة قدرة الخزَّان على التحمُّل، يبدأ تسخين المادَّتين (السائلة، والبخارية).
في انفجار Boilover، وجود الماء تحت النفط يؤدِّي إلى غليان مفاجئ، وتوسعة سريعة للسائل.
في انفجار BLEVE، مع فشل الهيكل المعدنـي للخزَّان، وتسريب السائل المضغوط، يحدث انفجارٌ سريعٌ.
طرق التبريد والوقاية:
- التَّبريد المائي المكثَّف: تطبيق رشٍّ مستمر ومكثَّف للماء على جدران الخزَّان للحدِّ من ارتفاع درجة الحرارة، وحماية الصُّلب من التشوُّه أو التآكل الحراري.
- الإخلاء السريع، وتفريغ الخزَّان: تقليل كميَّة السائل الخطرة داخل الخزَّان لتقليل الضغط والحرارة.
- أنظمة التهوية، والتهوية الآمنة لضمان عدم تراكم الأبخرة القابلة للاشتعال.
-
- استخدام الحماية السلبية؛ كطبقات العزل الحراري على الخزَّانات لتأخير انتقال الحرارة إلى السوائل المخزونة.
- مراقبة مستمرَّة ومؤتمتة لدرجات الحرارة والضغط، مع أنظمة إنذار متقدِّمة تُمكِّن من التدخل السريع.
- التدريب والتخطيط للطوارئ لضمان استجابة سريعة وفعَّالة عند حدوث أي تسخين غير طبيعي، أو حالة حريق.
دراسة حالة واقعيَّة: حريق وخسائر في خزَّانات بترول بمصفاة النفط في مدينة (أولسان) بكوريا الجنوبية.
في فبراير 2025، شهدت مصفاة النفط في مدينة (أولسان) بكوريا الجنوبية حادث انفجار كبير في أحد خزَّانات تخزين النفط بسبب حريق اندلع أثناء قيام عاملين بفتح خزَّان لتفقُّد مستوى المادة الكيميائية، وقد أدَّى الانفجار إلى احتراق واسع النطاق في الخزان، ما تسبَّب في مقتل شخص واحد، وإصابة آخر، وأسفر الحادث عن خسائر كبيرة.
وقد استجابت فِرَقُ الإطفاء بسرعة؛ إذ شارك في السيطرة على الحريق أكثر من 230 رجل إطفاء، و44 مَرْكبة إطفاء، وتمَّ إخماد الحريق خلال 3 ساعات.
ونَتَج الحريق عن اشتعال المواد البترولية داخل الخزان نتيجة عدم التَّدبير الكافي لمخاطر التسريب، أو اشتعال الأبخرة.
والحادث تابعٌ لسلسلة حوادث مماثلة حدثت في نفس المدينة، ورفعت من أهميَّة الإجراءات الوقائيَّة، وإدارة الطوارئ في المصافـي.
وسلَّطت الحادثة الضوء على أهميَّة صيانة أنظمة السلامة، والكشف المبكِّر عن الأعطال، وتدريب العاملين على إجراءات الطوارئ لمنع تكرار هذه الحوادث.
دروس مستفادة من الحادثة:
- التَّركيز على تركيب وصيانة أنظمة كشف الحرائق والإنذار المبكِّر.
- تحديث أنظمة الرَّشِّ والرغوة لتوفير إخماد فوري وفعَّال للخزَّانات.
- تعزيز برامج التدريب العملي للطوارئ للعاملين وفِرَقِ الإطفاء.
- تطوير خطط إدارة المخاطر والسلامة داخل شركات التكرير بما يتوافق مع المعايير الدولية.
أحدث التقنيات لمكافحة حرائق خزَّانات البترول في شركات التكرير:
تتضمَّن مجموعة متطوِّرة من الأنظمة الذكيَّة والمستدامة لتحسين سرعة الاستجابة، وفعالية الإخماد، مع تقليل الأضرار والآثار البيئيَّة:
- أنظمة إخماد الحرائق الذكيَّة:
-
- تستخدم أجهزة استشعار متقدِّمة تراقب درجة الحرارة، وانبعاثات الأبخرة، والحرائق في الوقت الحقيقي.
- تعمل تلك الأنظمة تلقائيًّا لتشغيل رذاذ الماء، أو إطلاق الرغوة مع قدرات تحكُّم مركزيَّة متَّصلة بأنظمة إدارة المبانـي.
- تُقلِّل الإنذارات الكاذبة، وتُحسِّن استجابات فِرَقِ الطوارئ.
- أنظمة إخماد الحريق بالرغوة المتطورة:
- تنتج رغوةً مقاومةً للانفجارات، ومناسبةً للمواد الهيدروكربونية المخزونة.
- تستخدم تركيبات رغويَّة متقدِّمة؛ مثل: الرغوة المتوسطة والمرتفعة التوسُّع التي تعزل سطح الوقود بشكلٍ أفضل.
- تدمج مع أنظمة ضخِّ وتوزيع آليَّة للرغوة على كامل سطح الخزَّان بسرعة فائقة.
- أنظمة التبريد المتقدِّمة:
- تستخدم رشاشات مياه عالية الضَّغط مُصَمَّمة لتَبْريد جدران الخزانات، وحمايتها من التشوُّه الحراري، والانفجارات الثانويَّة (Boilover, BLEVE).
- تعتمد على توزيع مُتَساوٍ ومستمرٍّ للمياه، مع مراقبة ذكيَّة لضمان كفاءة التبريد دون هَدْرٍ للمياه.
- أنظمة مكافحة الحريق الغازية والكيماوية:
- تستخدم أنظمة إطفاء بالغازات الخاملة؛ مثل: ثانـي أكسيد الكربون، أو الهالون البديل (بديل صديق للبيئة)، لتقليل الأكسجين بسرعة.
- أنظمة الإطفاء بالمساحيق الكيميائية الجافَّة لمكافحة الحرائق التي تشمل مواد كيميائيَّة مخصصة لدرجات الحريق العالية.
- التكامل الرقمي، والذكاء الاصطناعي:
- مراقبة وتحليل البيانات اللحظيَّة باستخدام الذَّكاء الاصطناعي لتوقُّع الحرائق قبل نُشُوئها، وتَنْبيه فِرَقِ الأمن.
- تحسين خطط الطوارئ والتدخُّلات بناءً على السيناريوهات المتوقَّعة، والمُحَاكاة الرقمية.
- أنظمة المراقبة الذكيَّة أصبحت من أكثر الابتكارات تَقدُّمًا في مكافحة حرائق خزانات البترول، حيث تعتمد هذه الأنظمة على تحليل صور الكاميرات الحرارية لتحديد وجود اللَّهب والدخان بدقَّة أعلى من أجهزة الإنذار التقليدية، ولديها القدرة على الكشف المبكِّر عن الحرائق من خلال خوارزميات متقدِّمة تتعلَّم وتتطوَّر مع تكرار الحوادث؛ ممَّا يُقلِّل من الإنذارات الكاذبة، ويسرع الاستجابة للحرائق، ويمكن دَمْج هذه الأنظمة مع حسَّاسات الضغط ودرجة الحرارة لتوفير تَنْبيهات فوريَّة ومباشرة إلى غرف التحكُّم المعتمدة على نُظُم التحكُّم الإشرافـي والبيانـي (SCADA)؛ ممَّا يُعزِّز من الإدارة المركزيَّة للحوائط الأمنيَّة، ويضمن استجابةً متكاملةً وفعَّالةً عند نشوب حريق، وهذا التكامل بين الذكاء الاصطناعي والمراقبة الحسَّاسة يساعد على تقليل الخسائر البشرية والمادية، ويحسن من التحكُّم في حالات الطوارئ.
- تقنيات الاستشعار الحراري البصري باستخدام كاميرات الأشعَّة تحت الحمراء (Infrared – IR Thermography) تؤدِّي دورًا محوريًّا في المراقبة المبكرة لخزَّانات البترول، وتتميَّز هذه الكاميرات بقدرتها على كَشْف النِّقاط الساخنة على سطح الخزَّانات قبل اشتعال الحرائق، حيث ترصد التغيُّرات الحرارية بشكل دقيق ومستمر؛ ممَّا يُتِيحُ الكشف الاستباقي عن ارتفاع درجات الحرارة في أماكن محدَّدة.
أهمُّ الأكواد والمعايير للسلامة في خزَّانات البترول:
- API 650 : معيار تصميم وصناعة خزَّانات التخزين الفولاذية الملحومة، المستخدمة لتخزين المواد البترولية والسوائل، يُحدِّد متطلَّبات المواد، والأبعاد، والفحوصات، وضمان الجودة.
- API 620 : يختصُّ بتصميم خزَّانات تخزين كبيرة الحجم، ومنخفضة الضغط، مصنوعة من الفولاذ الكربونـي، تحمل ظروف التشغيل المختلفة.
- API 653 : معايير فحص وصيانة وإصلاح خزَّانات التخزين لضمان سلامة التَّشغيل، وتقليل مخاطر الحوادث الناجمة عن التآكل والتسريب.
- NFPA 30 : كود السَّوائل القابلة للاشتعال، والمواد القابلة للاحتراق، ويشمل اشتراطات السلامة في تصميم أنظمة التَّخزين، والتهوية، وإجراءات مكافحة الحرائق.
- NFPA 11 : معيار أنظمة إطفاء الحريق باستخدام الرغوة، وينظِّم نوعيَّة وتركيب وتشغيل أنظمة الرغوة في خزَّانات البترول.
- IECEx و ATEX: معايير للسَّلامة في الأماكن الخطرة، خاصَّةً المتعلِّقة بالمعدَّات الكهربائية المستخدمة في المناطق الَّتي تحتوي على غازات قابلة للاشتعال.
- ASTM و ISO: معايير دوليَّة متعلِّقة بمواد الخزَّانات، وطلاء الحماية ضدَّ التآكل، والفحوصات الدوريَّة.
مراعاة المعايير الهندسيَّة والأمنيَّة:
- توفير مسافات أمان كافية بين الخزَّانات.
- تجهيز مُعدَّات مكافحة الحريق والرصد الحراري.
- وجود أنظمة إنذارٍ مبكرٍ واشتراطات للتهوية.
- تدريب العاملين، واتِّباع إجراءات السلامة التشغيليَّة.
الخاتمة:
إنَّ معرفة العاملين بمخاطر المواد البترولية، وكيفيَّة التصرُّف عند الطوارئ، يُعزِّز من فُرَص الحدِّ من الكوارث، والاستثمارُ في التدريب وتكرار التمرينات للحفاظ على الجاهزيَّة من أهمِّ خطوات الوقاية، والأمانُ يبدأ بمعرفة المخاطر، وكيفيَّة التعامل معها، والتَّدريبُ على الطوارئ يُجهِّز الجميع لمواجهة أي حادثٍ، فلابد من تحديثٍ مستمرٍّ لبرامج السلامة، وتشجيع التواصل بين الفِرَقِ المختلفة لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وتوفير بيئة عمل آمنة ومُحفِّزة.
إنَّ التنسيق بين هذه الأنظمة والتقنيات الحديثة مع سياسات السلامة والتدريب يُشكِّل الدِّرع الأكثر فاعليةً لحماية خزَّانات البترول وبيئة العمل؛ ممَّا يُقلِّل الخسائر المادية والبشرية، ويُعزِّز من جاهزيَّة فِرَقِ الطوارئ في مواجهة أي حوادث حرائق محتملة.