محتويات علمية

الحوادث التي لا تُسجَّل: كيف تصنع الـ Near Miss أخطر الكوارث؟

في معظم مواقع العمل، يتم التركيز على الحوادث التي تسببت في إصابة أو خسارة مادية، بينما يتم تجاهل نوع أخطر من الأحداث: الحوادث القريبة من الوقوع (Near Misses).

هذه الأحداث تمر دون ضحايا، دون تلف، ودون ضجيج، لكنها تحمل نفس أسباب الحوادث الجسيمة، ونفس مسارات الفشل، ونفس الثغرات في النظام.

ما هي الـ Near Miss ولماذا هي خطيرة؟

الـ Near Miss هو حدث غير مخطط له كان من الممكن أن يؤدي إلى إصابة أو ضرر، لكنه لم يفعل بسبب الصدفة فقط، وليس بسبب وجود ضابط أمان فعّال.

وهنا تكمن الخطورة:
ما لم يُعالَج السبب، فإن الصدفة لن تتكرر دائمًا.

في كثير من المواقع، يتم التعامل مع الـ Near Miss بعقلية انه مجرد أصابه خفيفه او التواء بسيط و حدث عرضي غير جادي يتم تجاهله,

هذه الثقافة تُهدر أهم فرصة لمنع الحوادث، لأن الـ Near Miss هو إنذار مبكر، أقل تكلفة، وأكثر وضوحًا من الحادث الفعلي.

الفرق بين الـ Near Miss والإصابات البسيطة
يتم الخلط أحيانًا بين الحوادث القريبة من الوقوع (Near Miss) والإصابات البسيطة، رغم أن كليهما يختلف جذريًا من حيث التعريف والأثر التحليلي.

الإصابة البسيطة تعني أن الضرر قد وقع بالفعل، حتى وإن كان محدودًا، بينما الـ Near Miss هو حدث لم ينتج عنه أي إصابة أو خسارة، رغم أن ظروف الحادث كانت مكتملة.

تجاهل الـ Near Miss بحجة “عدم وجود إصابة” يعني تجاهل نفس مسار الخطر الذي قد يؤدي لاحقًا إلى حادث جسيم.

لماذا لا يتم الإبلاغ عنها؟

أسباب عدم الإبلاغ متعددة، منها:

  • الخوف من اللوم أو العقاب
  • الاعتقاد أن الحدث غير مهم
  • غياب نظام واضح للتبليغ
  • عدم وجود رد فعل إداري حقيقي بعد التبليغ

وعندما لا يرى العامل فائدة من الإبلاغ، سيتوقف عن القيام به.

دور القيادة في تفعيل الإبلاغ عن الـ Near Miss
لا تنجح أنظمة الإبلاغ عن الحوادث القريبة من الوقوع دون دعم قيادي واضح، يُظهر أن الإبلاغ يُشجَّع عليه ولا يُعاقَب بسببه.

عندما تركز القيادة على تحليل الحدث بدلًا من محاسبة الأفراد، وتربط البلاغات بإجراءات تصحيحية حقيقية، يتحول الإبلاغ من عبء على العامل إلى أداة تحسين فعّالة.

Near Miss وتحليل السبب الجذري

تحليل الـ Near Miss بنفس أدوات تحليل الحوادث الجسيمة (RCA) يسمح بـ:

  • كشف نقاط الضعف مبكرًا
  • اختبار فاعلية الإجراءات
  • تحسين الضوابط دون انتظار خسائر

في كثير من الكوارث الصناعية الكبرى، وُجد لاحقًا أن نفس السيناريو تكرر عدة مرات كـ Near Miss قبل الحادث النهائي.

Near Miss كمؤشر أداء قيادي (Leading Indicator)
تُعد تقارير الـ Near Miss من أهم مؤشرات الأداء القيادية في أنظمة السلامة، لأنها تكشف المخاطر قبل تحوّلها إلى حوادث فعلية.

وعلى عكس الحوادث والإصابات المسجلة، والتي تُعد مؤشرات لاحقة (Lagging Indicators)، فإن عدد وجودة بلاغات الـ Near Miss يعكس مستوى نضج ثقافة السلامة، وفاعلية نظام الإبلاغ، ومدى وعي العاملين بالمخاطر.

تحويل الـ Near Miss إلى أداة تحسين

لكي تتحول الـ Near Miss إلى أداة فعالة، يجب:

  • تشجيع الإبلاغ دون لوم
  • تحليل الحدث وليس الشخص
  • مشاركة الدروس المستفادة مع العاملين
  • ربط النتائج بإجراءات تصحيحية حقيقية
  • متابعة تنفيذ التحسينات

المنشأة التي تتعلم من الـ Near Miss أقل عرضة للحوادث الجسيمة من تلك التي “تنتظر الحادث لتتحرك”.

الحوادث الكبرى لا تأتي فجأة، بل تُعلن عن نفسها مرارًا في صورة أحداث صغيرة تم تجاهلها.
الفرق بين موقع آمن وآخر خطير، ليس في عدد الحوادث المسجلة، بل في عدد الإنذارات التي تم التعامل معها بجدية.

أخطر حادث هو الذي لم نعتبره حادثًا.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *