محتويات علمية

الضوضاء في بيئة العمل: الخطر الصامت الذي لا يُرى ولا يُسمع إلا بعد فوات الأوان

تُعد الضوضاء من أكثر المخاطر المهنية انتشارًا داخل بيئات العمل الصناعية والإنشائية ومحطات الطاقة وورش الصيانة، ورغم ذلك فهي من أقل المخاطر التي يتم التعامل معها بجدية كافية. خطورة الضوضاء لا تكمن فقط في إزعاجها، بل في تأثيرها التراكمي طويل المدى على صحة الإنسان، خاصة السمع والجهاز العصبي، وهو تأثير غالبًا ما يظهر بعد سنوات من التعرض، عندما يصبح الضرر دائمًا وغير قابل للعلاج.

من منظور السلامة والصحة المهنية، تُصنَّف الضوضاء كعامل فيزيائي (Physical Hazard) يستوجب التقييم والسيطرة بنفس مستوى الجدية المطبق على المخاطر الكيميائية أو الميكانيكية.

ما المقصود بالضوضاء المهنية؟

الضوضاء المهنية هي أي صوت غير مرغوب فيه يتجاوز الحدود الآمنة المسموح بها أثناء ساعات العمل، ويؤدي إلى تأثيرات صحية أو وظيفية على العامل.

ويُقاس مستوى الضوضاء بوحدة الديسيبل (dB)، وهي وحدة لوغاريتمية، ما يعني أن الزيادة البسيطة في الرقم تمثل زيادة كبيرة في شدة الصوت وتأثيره.

وفقًا لمعايير OSHA، فإن:

  • التعرض لمستوى 85 dB لمدة 8 ساعات يوميًا يُعد الحد الأقصى الآمن.
  • كل زيادة بمقدار 5 dB تُقلل زمن التعرض الآمن إلى النصف.

مصادر الضوضاء في بيئات العمل

تختلف مصادر الضوضاء حسب طبيعة النشاط، ومن أبرزها:

  • الماكينات الثقيلة (Compressors – Generators – Turbines)
  • معدات القطع والطحن
  • معدات الحفر والطرق
  • أنظمة التهوية الصناعية
  • المركبات والمعدات المتحركة
  • الإنذارات الصناعية عالية الشدة

غالبًا لا تأتي الخطورة من مصدر واحد، بل من التعرض التراكمي لمصادر متعددة خلال نفس الوردية.

التفرّع الأخطر: فقدان السمع الناتج عن الضوضاء (NIHL)

ما هو NIHL؟

فقدان السمع الناتج عن الضوضاء (Noise-Induced Hearing Loss) هو تلف دائم في خلايا الأذن الداخلية نتيجة التعرض المزمن أو المفاجئ لمستويات مرتفعة من الضوضاء.

المشكلة الأساسية أن هذا النوع من فقدان السمع:

  • غير مؤلم
  • تدريجي
  • غير قابل للعلاج
  • وغالبًا لا يلاحظه العامل إلا بعد فوات الأوان

كيف يحدث الضرر؟

تحتوي الأذن الداخلية على خلايا شعرية دقيقة مسؤولة عن نقل الإشارات الصوتية إلى المخ.
التعرض للضوضاء المرتفعة يؤدي إلى:

  • إجهاد هذه الخلايا
  • ثم تلفها
  • ثم موتها نهائيًا دون قدرة على التجدد

الآثار الصحية للضوضاء (أبعد من السمع)

الضوضاء لا تؤثر فقط على الأذن، بل تمتد آثارها إلى:

  • ارتفاع ضغط الدم
  • زيادة معدل ضربات القلب
  • اضطرابات النوم
  • ضعف التركيز وزيادة الأخطاء البشرية
  • زيادة احتمالية الحوادث بسبب ضعف التواصل السمعي
  • الإرهاق العصبي والتوتر المزمن

وهنا تظهر العلاقة الخطيرة بين الضوضاء والحوادث المهنية، حيث لا تكون الضوضاء سببًا مباشرًا، لكنها عاملًا مساهمًا قويًا.

 

تقييم مخاطر الضوضاء (Noise Risk Assessment)

إدارة الضوضاء تبدأ بالتقييم، والذي يشمل:

  • قياس مستويات الضوضاء باستخدام أجهزة معايرة معتمدة
  • تحديد زمن التعرض الفعلي
  • مقارنة النتائج بالحدود المسموح بها
  • تحديد الفئات الأكثر تعرضًا
  • توثيق النتائج وربطها بالأنشطة

بدون قياس حقيقي، تصبح الضوضاء “خطرًا غير مرئي” لا يمكن السيطرة عليه.

تصنيف مناطق العمل حسب الضوضاء (Noise Zoning)

كجزء أساسي من إدارة مخاطر الضوضاء، لا يكفي قياس مستوى الصوت فقط، بل يجب ترجمة نتائج القياس إلى تنظيم ميداني واضح.

هنا يأتي دور تصنيف مناطق العمل حسب مستويات الضوضاء (Noise Zoning)، والذي يهدف إلى تحديد مناطق الخطر بصريًا وإداريًا، وتمكين العاملين من إدراك مستوى التعرض المطلوب التحكم فيه.

يعتمد تصنيف المناطق على نتائج القياس الفعلي لمستويات الضوضاء، ويتم تقسيم الموقع إلى مناطق مميزة، مع وضع لافتات تحذيرية واضحة توضح مستوى الضوضاء ومتطلبات الوقاية داخل كل منطقة.

يمكن تصنيف المناطق كالتالي:

  • 🟢 أقل من 85 dB – منطقة آمنة:

لا تتطلب حماية سمعية خاصة، مع الاستمرار في المراقبة الدورية.

  • 🟡 من 85 إلى 95 dB – منطقة ضوضاء متوسطة:

يُلزم استخدام معدات الحماية السمعية، مع التحكم في زمن التعرض وتطبيق الضوابط الإدارية.

  • 🔴 أكثر من 95 dB – منطقة ضوضاء عالية الخطورة:

يتم تقييد الدخول، ولا يُسمح بالتواجد إلا للضرورة القصوى، مع فرض ضوابط هندسية إضافية ومراقبة صارمة.

يساعد هذا التصنيف على:

  • تقليل التعرض غير الضروري للضوضاء
  • تحسين الالتزام باستخدام معدات الوقاية
  • دعم قرارات تدوير العمال وجدولة الأعمال
  • رفع الوعي بالمخاطر دون الحاجة إلى تدخل إشرافي مستمر

 

تصنيف الضوضاء يحوّل الخطر من عامل “غير مرئي” إلى خطر مُدار، مفهوم، ومُسيطر عليه ميدانيًا.

السيطرة على الضوضاء وفق هرم التحكم بالمخاطر

من الخطأ الاعتماد فقط على سدادات الأذن كحل وحيد. السيطرة الفعالة يجب أن تتبع هرم التحكم:

  1. الإزالة أو الاستبدال
    استبدال المعدات عالية الضوضاء بأخرى أقل ضجيجًا.
  2. الضوابط الهندسية
    • عزل الماكينات
    • كواتم الصوت
    • حواجز صوتية
    • صيانة المعدات
  3. الضوابط الإدارية
    • تقليل زمن التعرض
    • تدوير العمال
    • جدولة الأعمال الصاخبة
  4. معدات الوقاية الشخصية (PPE)
    مثل Earplugs وEarmuffs، وتُستخدم كخط دفاع أخير وليس أول.

المراقبة الطبية ودورها في الوقاية

تشمل برامج السيطرة على الضوضاء:

  • الفحص السمعي الدوري (Audiometric Testing)
  • مقارنة النتائج سنويًا
  • اكتشاف التدهور المبكر
  • التدخل قبل تحول الضرر إلى دائم

غياب المراقبة الطبية يعني أن المنشأة لا تكتشف المشكلة إلا بعد حدوث الإصابة.

الضوضاء ليست مجرد إزعاج، بل خطر مهني صامت يدمّر السمع ببطء، ويؤثر على صحة العامل وكفاءة العمل وسلامة الموقع ككل.
المنشآت التي تتعامل مع الضوضاء كأمر “طبيعي” لا تُدير عملية إنتاج، بل تُراكم إصابات مستقبلية مؤكدة.

السلامة من الضوضاء لا تبدأ بسدادة أذن،
بل تبدأ بالاعتراف أن الصوت… قد يقتل السمع قبل أن نشعر به.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *