مقالات المجلة

السلامة القانونية في المؤسسات المالية دمج التكنولوجيا وإدارة المخاطر

المقدمة:

يشهد القطاع المالي تحولًا رقميًّا متسارعًا فَرَض واقعًا جديدًا تتداخل فيه التكنولوجيا مع الجوانب القانونية والتشغيلية للمؤسسات المالية، وفي هذا السياق أصبحت السلامة القانونية عنصرًا جوهريًّا لضمان استقرار البيئة المصرفية، وحماية حقوق العملاء، والامتثال لمتطلبات الجهات الرقابية، فالتقنيات الحديثة (مثل: الأنظمة الرقمية، والخدمات المصرفية الإلكترونية، والبنوك الافتراضيةجعلت المنظومة الماليَّة أكثر عُرْضةً لمخاطر قانونية ناجمة عن ضعف الحوكمة الرقمية، أو سوء إدارة البيانات، أو الإخفاق في الامتثال التنظيمي.

وقد جاءت تعليمات المصرف المركزي الإماراتي رقم  (C6/2020) بشأن إدارة مخاطر التكنولوجيا، والمخاطر المحددة كمثالٍ بارزٍ على أهمية دمج السلامة القانونية داخل الإطار التقني؛ إذ تؤكد هذه التعليمات أن التكنولوجيا ليست مسألةً تشغيليةً فقط، بل التزام قانونـي مباشر يتطلَّب من المؤسسات المالية إدارة المخاطر الرقمية وَفْق ضوابط واضحة، ومسؤوليات تنظيمية محددة، ومن ثَمَّ، أصبحت السلامة القانونية مسارًا استراتيجيًّا يُعزِّز الثقة بالقطاع المالي، ويضمن التوازن بين الابتكار والامتثال.

مفهوم السلامة القانونية في القطاع المالي:

تُعرَّف السلامة القانونية في المؤسسات المالية بأنها: «الإطار المنهجي الذي يهدف إلى ضمان الالتزام بالقوانين واللوائح والتعليمات الصادرة عن الجهات الرقابية بما يحمي استقرار المؤسسة وسُمْعتها، ويُعزِّز الثقة بين الأطراف المَعْنيَّة»، ولا يقتصر هذا المفهوم على الامتثال الإجرائي، بل يشمل تطبيق سياسات استباقيَّة للوقاية من المخاطر القانونية المرتبطة بالأنظمة التقنية والعمليات الرقمية.

ويستند مفهوم السلامة القانونية -كما توضحه تعليمات (C6/2020)– إلى إدراك أن إدارة المخاطر التكنولوجية جزءٌ لا يتجزَّأ من الالتزام القانونـي للمؤسسات المالية، وتشمل عناصره الأساسية ما يلي:

  1. الامتثال التنظيمي: الالتزام بالقوانين المتعلِّقة بحماية البيانات، والمعاملات المصرفية، ومكافحة غسل الأموال، والخصوصية، وَفْق ما تفرضه الجهات الرقابيَّة.
  2. إدارة المخاطر القانونية والتقنية: وضع سياسات واضحة لتقييم المخاطر الرقمية، والتقليل من آثارها على العمل المؤسسي.
  3. سريَّة البيانات وحمايتها: الالتزام بمعايير أمن المعلومات، وضمان عدم إساءة استخدام البيانات الحسَّاسة.
  4. التوثيق والإفصاح الرِّقابي: حفظ سجلَّات دقيقة للعمليات، وتقديم الإفصاحات المطلوبة للجهات المختصة.

ويُعدُّ هذا المفهوم إطارًا شاملًا يربط بين الامتثال والحوكمة، وإدارة المخاطر؛ ممَّا يساعد المؤسسات المالية على مواجهة التهديدات القانونية الناشئة عن التحوُّل الرقمي، وتحقيق بيئة تشغيليَّة أكثر أمانًا وثباتًا واستدامةً.

مسؤوليات مجلس الإدارة لدعم السلامة القانونية:

تُعدُّ القيادة المؤسسية محور السلامة القانونية في القطاع المالي؛ إذ تقع على عاتق مجلس الإدارة والإدارة العليا مسؤولية وَضْع السياسات التي تضمن الالتزام بالقوانين، وحماية المؤسسة من الانكشافات القانونية.

فالمسؤولية هنا ليست شكليةً أو إداريةً فحسب، بل مسؤولية رقابية وتشغيلية موثقة في إطار الحوكمة المؤسسية.

وتنصُّ تعليمات المصرف المركزي الإماراتـي (C6/2020) على أن مجلس الإدارة يتحمَّل المسؤولية النهائية عن ضمان إدارة مخاطر التكنولوجيا بشكل فعَّال، وأن عليه التأكد من توافر الموارد والسياسات التي تحقق هذا الهدف.

وهذا المبدأ يُعَدُّ امتدادًا للسلامة القانونية؛ لأنه يربط بين المساءلة القانونية والرقابة الإدارية.

ويمكن تلخيص أبرز أدوار القيادة العليا في تحقيق السلامة القانونية في النقاط التالية:

  • وَضْع سياسة السلامة القانونية:

صياغة وثيقة رسمية تُحدِّد التزامات المؤسسة تجاه الأنظمة والقوانين، وآليَّات متابعة التنفيذ، ومسؤوليات الإدارات المختلفة.

  • اعتماد هيكل الحوكمة القانونية:

إنشاء لجان متخصِّصة (مثل: لجنة الامتثال، لجنة التَّدقيق الداخلي، لجنة مخاطر التكنولوجيا)- ترفع تقاريرها مباشرةً إلى مجلس الإدارة لضمان الشفافية.

  • إشراف فعَّال على الامتثال:

مراقبة تطبيق القوانين واللَّوائح على العمليات التقنية والمالية اليومية، وضمان تنفيذ التوصيات الصادرة عن الجهات الرقابية.

  • بناء ثقافة المسؤولية:

نشر ثقافة داخليَّة تجعل كل موظف يدرك أن الالتزام بالقانون هو مسؤولية شخصية، وليست مجرد إجراء تنظيمي.

  • الإفصاح والمُسَاءلة:

إعداد تقارير منتظمة للجهات الرقابية تتضمَّن مؤشرات الأداء في مجال الامتثال والمخاطر، مع الإفصاح الفوري عن أيِّ خلل أو حادث تشغيلي ذي أثرٍ قانونـيٍّ.

ومن خلال هذا النهج تصبح الإدارة العليا ضمانة استباقيَّة للسلامة القانونية، لا تقتصر على الامتثال، بل تمتد إلى الوقاية، والتحسين المستمر، والشفافية المؤسسية.

ويُلَاحظ أن المؤسسات التي تمتلك قيادةً واعيةً بهذه المفاهيم تُحقِّق استقرارًا أكبر في الأداء، وتحافظ على ثقة المتعاملين والجهات الرقابية في آنٍ واحدٍ.

تعزيز ثقافة السلامة القانونية:

تُمثِّل الحوكمة القانونية وبناء ثقافة الامتثال ركيزتين أساسيتين لضمان السلامة القانونية في المؤسسات المالية؛ إذ تعملان معًا على خَلْق بيئة تشغيلية منضبطة ومستدامة تلتزم بالقوانين، وتحدُّ من المخاطر النظامية والتشغيلية:

  1. هيكلة سياسات وإجراءات الامتثال:

يتطلَّب الامتثال الفعَّال وجود سياسات مكتوبة ومحدَّثة بانتظام، توضِّح مسؤوليات الأقسام والموظفين، وتضمن مُوَاءمة الممارسات التشغيلية مع القوانين المحلية والدولية.

  1. الرقابة الداخلية، وإدارة المخاطر القانونية:

تُعدُّ أنظمة التدقيق الداخلي والمراجعة المستمرة أدوات محوريَّة للكشف عن جوانب القصور، والتأكُّد من التزام العمليات المالية والإدارية بالمعايير التنظيمية؛ ممَّا يقلِّل فرص المخالفات والعقوبات.

  1. الشفافية والمُسَاءلة المؤسسية:

تعزيز المُسَاءلة من خلال تقارير دورية للجهات الرقابية الداخلية والخارجية يعزِّز الثقة والموثوقية، ويؤكِّد التزام المؤسسة بتطبيق أعلى معايير الحوكمة.

  1. التكامل بين الإدارات ذات العلاقة:

يُسْهم التنسيق بين إدارات القانون، وإدارة المخاطر، والمالية، وتكنولوجيا المعلومات في بناء منظومة امتثال متماسكة تمنع ظهور الثغرات القانونية أو التشغيلية.

  1. نشر ثقافة الامتثال والوعي القانونـي:

تؤدِّي الثقافة المؤسسية دورًا محوريًّا في تحويل الامتثال من التزامٍ شكليٍّ إلى ممارسة يومية، ويشمل ذلك تدريب الموظفين، وتسهيل التواصل الداخلي، وتشجيع الإبلاغ المسؤول عن أيِّ مخالفات محتملة.

  1. القيادة الداعمة للسلامة القانونية:

تكون جهود الامتثال أكثر فعاليةً حين تلتزم القيادة العليا بالسياسات نفسها، وتشارك في الإشراف على تطبيقها، ما يُعزِّز مصداقية المؤسسة، ويقود إلى سلوك مؤسسي منضبط.

التكنولوجيا ودورها في تحسين السلامة القانونية:

في العصر الرقمي لم تَعُد القوانين واللوائح مجرد نصوص مكتوبة، بل أصبحت مترابطةً بشكل مباشر مع الأنظمة التكنولوجية المستخدمة داخل المؤسسات المالية.

فالتحوُّل الرقمي، والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، والبيانات الكبيرة، يخلق فرصًا هائلة للابتكار، لكنه في الوقت نفسه يضع المؤسسة أمام مخاطر قانونية وتشغيلية جديدة.

أبرز محاور العلاقة بين القانون والتكنولوجيا:

  • الامتثال الرقمي Digital Compliance:

أنظمة الرقابة التكنولوجية تساعد في مراقبة العمليات المالية بشكل آنِـيٍّ، والتأكد من توافقها مع التشريعات المحلية والدولية؛ مثل: قوانين مكافحة غسل الأموال، وحماية البيانات.

  • الأمان السيبرانـي والمسؤولية القانونية:

أي اختراق أمني أو تسريب بيانات قد يؤدِّي إلى مساءلة قانونية للمؤسسة؛ لذلك يجب أن تكون البروتوكولات الأمنيَّة موثَّقة ومتوافقة مع المعايير الدولية؛ مثل:  ISO/IEC 27001.

  • العقود الذكية والذكاء الاصطناعي:

العقود الذكيَّة المدعومة بتقنية (البلوك تشين) تضمن تنفيذ الاتفاقيات تلقائيًّا، لكن أي خلل برمجي يمكن أن يؤدِّي إلى مسؤولية قانونية مباشرة على المؤسسة؛ ممَّا يربط القانون مباشرةً بالتكنولوجيا.

  • التوثيق الآلي وحفظ الأدلة:

استخدام أنظمة إدارة السجلَّات الرقمية يسهل تتبُّع القرارات المالية، والتدفُّقات النقدية، ويعمل كدليل قانونـي في حال وقوع نزاعات أو تحقيقات رقابية.

  • التدريب على الامتثال التكنولوجي:

الموظَّفون بحاجة إلى فَهْم القوانين المطبَّقة على الأنظمة التكنولوجية، وليس فقط على العمليات التقليدية؛ لضمان أن كل استخدام للتقنية يظلُّ ضمن الإطار القانونـي.

إنَّ التكنولوجيا ليست مجرد أداة دعمٍ، بل أصبحت عنصرًا من عناصر السلامة القانونية، والمؤسسات المالية التي تتبنَّى حلولًا ذكيةً للامتثال والرقابة يتحقَّق لديها تقاطع مباشر بين القانون والتكنولوجيا؛ ما يُقلِّل المخاطر القانونية، ويُعزِّز ثقة العملاء والجهات الرقابية على حدٍّ سواء.

أدوات المراقبة والتقييم للسلامة القانونية:

لضمان فعالية السلامة القانونية، يجب أن تكون هناك أدوات واضحة لمراقبة الأداء، وتقييم الامتثال القانونـي، فالمؤسسة لا تستطيع الاعتماد على السياسات وحدها، بل تحتاج إلى آليَّات عملية للتأكُّد من الالتزام الدائم بالقوانين والتعليمات.

أهم الأدوات والممارسات:

  • المراجعة القانونية الداخلية Internal Legal Audits:
      • مراجعة دوريَّة للسياسات والإجراءات للتأكُّد من توافقها مع التشريعات والتحديثات الجديدة.
      • تحديد نقاط الضعف والمخاطر المحتملة، واتِّخاذ إجراءات تصحيحيَّة فوريَّة.
  • التدقيق التكنولوجي Technology Audits:
      • تقييم الأنظمة التقنية المستخدمة في العمليات المالية للتأكُّد من مطابقتها للمتطلبات القانونية، خاصةً فيما يتعلَّق بحماية البيانات وأمن المعلومات.
  • مؤشرات الأداء القانونية Legal KPIs:
    • وضع مؤشرات قابلة للقياس (مثل: عدد المخالفات المكتشفة، مستوى التوثيق القانوني، ووقت الاستجابة للتقارير الرقابية).
  • التقارير والإفصاح الدوري:
    • رفع تقارير دوريَّة لمجلس الإدارة والجهات الرقابية حول حالة الامتثال القانونـي والمخاطر المحتملة.
    • استخدام هذه التقارير لتطوير السياسات، وتحديث الإجراءات بما يضمن تحسين مستمر للسلامة القانونية.
  • آليَّات الاستجابة السريعة Rapid Response Mechanisms:
    • وضع إجراءات واضحة للتعامل مع أي خرق قانونـي أو تقني فور اكتشافه.
    • إشراك فِرَقٍ قانونية وتقنية متخصصة لتقليل تأثير المخاطر وحماية المؤسسة.

وباستخدام هذه الأدوات والممارسات يمكن للمؤسسات المالية تحويل السلامة القانونية من مجرَّد التزام تنظيمي إلى عنصر استراتيجي يضمن الحدَّ من المخاطر، وتعزيز الثقة المؤسسية.

الخاتمة:

تُعدُّ السلامة القانونية ركيزةً استراتيجيةً للمؤسسات المالية، تجمع بين الامتثال التنظيمي، وإدارة المخاطر، والتكنولوجيا الحديثة، والثقافة المؤسسية، وتطبيقُ منظومةٍ متكاملةٍ من السياسات والأدوات يضمن حماية المؤسسة، وتعزيز الثقة، وتقليل المخاطر القانونية والتشغيلية. إنَّ تطبيق هذه المنظومة المتكاملة لا يحمي المؤسسة فحَسْب، بل يُعزِّز استدامتها، ويضمن رضا العملاء، والثقة المستمرَّة من الجهات الرقابيَّة.

التوصيات:

  1. تحديث سياسات السلامة القانونية بشكل دوريٍّ.
  2. تعزيز إشراف مجلس الإدارة، والإدارة العليا على الامتثال القانونـي.
  3. توظيف التكنولوجيا لدعم الرقابة والامتثال.
  4. بناء ثقافة مؤسسية تُشجِّع على الالتزام بالقوانين.
  5. اعتماد آليَّات تقييم ومراقبة فعَّالة للامتثال القانونـي.
  6. تعزيز الشفافية والمُسَاءلة مع الجهات الرقابية والمستفيدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *