في شهرٍ يرتفع فيه إقبال الأسر على المساجد وتتضاعف أعداد المصلين من الكبار والصغار، تتحول بيوت الله في رمضان إلى بيئة مزدحمة تتداخل فيها الحركة والعبادة والأنشطة الاجتماعية. وبينما يشجع الفقهاء على اصطحاب الأطفال إلى المساجد لتعويدهم على صلاة الجماعة وحب بيوت الله، تكشف حوادث مؤلمة – مثل سقوط حاجز مصلى على طفل في أحد مساجد إندونيسيا – عن ثغرات خطيرة في إدارة السلامة داخل هذه الأماكن. هنا يظهر دور منهجيات السلامة المهنية ومعايير مثل إدارة السلامة والصحة المهنية (Occupational Safety and Health Administration) الأمريكية، OSHA، ليس بوصفها تشريعات غربية تُنقل حرفيًا، بل كإطار هندسي وإداري يمكن توطينه لضبط الحواجز ومسالك الهروب وخطط الطوارئ، بما يضمن أن يبقى المسجد مكانًا للخُشوع لا مسرحًا للحوادث.
إجراءات السلامة العامة
تُصنّف المساجد في شهر رمضان ضمن مواقع التجمعات العامة عالية الكثافة (High Occupancy Public Assemblies)، ما يستوجب تطبيق مبادئ إدارة الحشود، التحكم في الحركة، وفصل الفئات العمرية عند الضرورة، خاصة الأطفال.
حافظوا على الأطفال تحت الرؤية البصرية المستمرة، واستخدموا أساور تحدد الاسم والرقم الهاتفي للآباء. حددوا منطقة خاصة بالأطفال بعيدًا عن المداخل والسلالم، وعلموهم عدم مغادرتها دون إذن. تجنبوا اصطحاب الصغار دون 7 سنوات إذا كانوا يسببون إزعاجًا، مع الالتزام بآداب المسجد برفق.

مخاطر عدم الإشراف في المساجد
عدم الإشراف على الأطفال في المساجد لا يسبب فقط إزعاجًا للمصلين، بل يفتح بابًا واسعًا لمخاطر جسدية وسلوكية قد تتحول إلى حوادث مؤلمة كما أظهرت وقائع عدة.
1. مخاطر جسدية وهيكلية
- تعرض الأطفال للسقوط من السلالم أو الشرفات الداخلية، خاصة في المساجد متعددة الطوابق والمزدحمة.
- احتمالية الاصطدام بالحواجز أو إسقاط اللوحات والحوائط الخفيفة، كما حدث في مسجد إندونيسيا عندما أدى مزاح شابتين إلى سقوط حاجز على طفل.
- زيادة إصابات الدهس أو التدافع عند الخروج الجماعي في الجمع ورمضان إذا لم يُضبط تحرك الصغار بين صفوف الكبار.
2. مخاطر الضياع والاستهداف
- فقدان الأطفال داخل أو حول المسجد، وهو نمط معروف في التجمعات الدينية الكبرى، مع معاناة في العثور عليهم، وقد يتعرض بعضهم لإصابات أثناء البحث أو التدافع.
- تعرضهم لاستغلال أو إيذاء من أشخاص غير أمناء في الزحام إذا لم يكن معهم ولي أو مشرف مباشر. (يحذر خبراء التجمعات العامة دائمًا من ترك الصغار دون مرافقة في أماكن الحشود).
3. مخاطر سلوكية وروحية
- تشويش الصلاة وخلق جو من التوتر بين المصلين، مما يدفع البعض إلى الغلظة على الأطفال بدل التربية بالحكمة، كما نبهت كتابات تربوية عن “شغب الأطفال في المساجد”.
- تكوّن صورة سلبية عن المسجد في نفس الطفل إذا كان وجوده دائمًا مقترنًا بالفوضى أو الصراخ أو الطرد، بدل أن يرتبط بالسكينة والمحبة.
المسؤولية الشرعية والتنظيمية
الفتاوى الشرعية تجعل وليّ الأمر (الوالد أو المرافق) مسؤولًا عن ضبط سلوك الطفل في المسجد، ثم يتعاون الإمام والمؤذن والمصلون إذا غاب الولي أو قصّر. هذا يعني أن ترك الطفل يتجول أو يعبث دون رقابة ليس مجرد تقصير تربوي، بل إخلال بحقوق الجماعة وسبب مباشر في تعريضه هو وغيره للأذى.
حادث في إندونيسيا يبرز مخاطر عدم الإشراف في المساجد،
رصدت الكاميرات الفتاتين وهما تعبثان بالحاجز الخشبي أو الزجاجي داخل مصلى النساء، فسقط على الطفل الذي كان يلعب قريبًا، أثار ذعرًا وتطلب نقله فوريًا إلى المستشفى. حاول بعض المصلين إنقاذه بسرعة، بينما تظاهرت الفتاتان بالصلاة للتهرب، وحالته الصحية مستقرة الآن مع تحسن ملحوظ.
دروس للسلامة
يؤكد الحادث ضرورة تثبيت الحواجز والديكورات جيدًا، ومنع اللعب العنيف أو الازدحام قربها، مع تعيين مشرفين للأطفال في مناطق مخصصة. يُنصح بفحص دوري للهياكل، وتوعية الجميع باحترام المكان، خاصة في رمضان مع كثرة الزوار.
نصائح وقائية
- حددوا مناطق آمنة للأطفال بعيدًا عن الحوائط والحواجز الثقيلة.
- استخدموا أساور تعريف بالاسم والرقم، وشجعوا الإشراف الأبوي المباشر.
- في حالة الازدحام، قصروا وقت التواجد وتجنبوا المناطق غير المراقبة.
الصيانة والتطبيق
تتطلب OSHA فحصًا دوريًا للحواجز للكشف عن التصدعات أو الترهلات، مع استخدام مواد قوية مثل الخشب أو المعدن غير القابل للكسر، وتجنب الدهان الذي يخفي العيوب. في الأماكن العامة مثل المساجد، يُفضل استخدام حواجز شفافة مقاومة للصدمات (مثل الزجاج ثلاثي الطبقات) مثبتة بقواعد ثقيلة أو براغي أرضية لتلبية هذه المعايير.
تطبيق معايير OSHA في المساجد يعزز السلامة الهيكلية والوقائية، خاصة للحواجز والأماكن المزدحمة، من خلال خطوات منهجية مستمدة من مبادئ إدارة المخاطر والصيانة.
تحديد المخاطر وتقييمها
ابدأ بفحص دوري للحواجز والمصاطب باستخدام قوائم تحقق (Checklists) لتقييم الثبات، مثل اختبار الضغط الأفقي (200 رطل) والارتفاعات المطلوبة (42 بوصة للحاجز العلوي)، مع تصنيف المخاطر حسب الاحتمالية والشدة كما في مصفوفة OSHA. ركز على الازدحام في رمضان، واستشر مهندسين لتقييم الهياكل الأثرية أو الخشبية.
الصيانة والتركيبات الآمنة
طبق معيار 1910.29 بتثبيت حواجز بقواعد معدنية ثقيلة أو براغي أرضية، مع صيانة شهرية للكشف عن التصدعات، واستخدم مواد مقاومة مثل الزجاج ثلاثي الطبقات. أضف كاشفات دخان وطفايات حريق قرب المناطق الحساسة، مع خطة إخلاء واضحة معلقة في كل طابق.
التدريب والتوعية
درّب موظفي المسجد والمصلين الدوريين على إجراءات OSHA، مثل منع اللعب قرب الحواجز واستخدام معدات وقاية شخصية في الصيانة، مع وضع لافتات تحذيرية بلغات متعددة. قم بتسجيل الحوادث وتحليلها للتحسين المستمر، كما في برامج OSHA للثقافة الوقائية.
خطة طوارئ وإشراف
أعد خطة استجابة سريعة تشمل تدريبات إخلاء وصناديق إسعافات أولية، مع تعيين مشرفين للأطفال في المناطق المزدحمة للامتثال لمتطلبات السلامة العامة.
يمكن تحسين السلامة دون كلفة عالية عبر:
- تثبيت الحواجز بمسامير أرضية
- إزالة الأثاث المتحرك في رمضان
- تخصيص صفوف خلفية للأطفال
- تعيين متطوعين للمراقبة وقت الذروة
سلامة الأطفال في رمضان والمساجد تبدأ بتطبيق مبادئ OSHA للصيانة والإشراف، مع خطط طوارئ واضحة. حوادث مثل إندونيسيا تذكرنا بأهمية الفحص الدوري والتوعية لمنع السقوط والإصابات، مما يضمن بيئة آمنة وروحانية.