مقدمة:
تشهد بيئة العمل المعاصرة تزايد الاهتمام بالصحَّة النفسية إلى جانب السلامة الجسدية، فلم تَعُد السلامة والصحة المهنية مقتصرةً على دَرْء المخاطر الفيزيائية والكيميائية فحَسْب، بل اتَّسع نطاقها ليشمل المخاطر النفسيَّة التي قد يتعرَّض لها العاملون.
وتُعرَّف الصحة النفسية (Mental Health) بأنَّها: «حالةٌ من الرفاهية العقلية التي تُمكِّن الناس من التعامل مع ضغوط الحياة، وتحقيق قدراتهم، والتعلُّم الجيِّد، والعمل بشكلٍ جيِّد، والمساهمة في مجتمعهم».
أمَّا المخاطر النفسيَّة الاجتماعيَّة (psychosocial hazards)، فهي: «تهديدات تنشأ عن سوء تصميم العمل، أو تنظيمه، أو بيئته الاجتماعية، وتتجاوز المجال الجسدي لتؤثِّر على الصحة النفسية للموظفين».

بينما لو أردنا تعريف معنى (السلامة)، فالأمر صعبٌ نوعًا ما، وهنالك عدَّة تعريفات في الأدبيَّات العلميَّة، ولكن لتسهيل وصول الفكرة إلى القارئ، سأختار تعريفًا بمنظور مستقبلي، فـ (السلامة): «هي إجراءات أو أنشطة استباقيَّة تهدف إلى منع الإصابات»، ويُركِّز هذا المنظور المتطلِّع للمستقبل على التدابير والمبادرات المتَّخذة لضمان سلامة بيئات العمل القادمة.
وتشمل مخاطر الصحَّة النفسية حسب ما جاءت به منظمة الصحة العالمية (2024) بيئات العمل السيِّئة، بما في ذلك التمييز، وعدم المساواة، وأحمال العمل المُفْرطة، وانخفاض التحكُّم في الوظيفة، وانعدام الأمن الوظيفي، كلُّها تُشكِّل خطرًا على الصحة العقلية.
وتُعدُّ هذه المخاطر من أبرز التَّحديات الحديثة في ميدان السلامة المهنيَّة، والجدير بالذِّكر أنَّ منظمة الصحة العقلية البريطانية (2022) ذكرت أنَّ في عام 2022 كانت الصحة النفسية خامس أكثر الأسباب شيوعًا للغياب عن العمل بسبب المرض، بنسبة (7.9%) من الحالات، كما يذكرون أنه: «أصبحت الصحة النفسيَّة الآن السبب الأكثر شيوعًا للحالات التي تُعِيقُ العمل بين مَنْ تبلغ أعمارهم (44 عامًا)، أو أقل…»، ومن هنا برزت أهميَّة عدم إغفال المخاطر النفسيَّة عند تقييم بيئات العمل؛ نظرًا لتأثيرها الملموس على صحة العاملين وأدائهم.
وبالتوازي مع هذا الاهتمام المتصاعد، ثار جدلٌ حول حدود دور أخصائيِّي السلامة تحديدًا في التعامل مع قضايا الصحَّة النفسيَّة للعاملين، فعلى الرغم من موقعهم المتميِّز لملاحظة الضغوط النفسيَّة في بيئة العمل، إلا أنَّ اختصاصهم العلمي والتدريبي يتركَّز بالأساس على جوانب السلامة المهنية التقليدية؛ كالتعرُّف على مصادر الخطر المادي، وتقييمها، وضبطها.
ومن جهةٍ أخرى، توجد مخاوف مهنيَّة وأخلاقيَّة من التدخل غير المؤهَّل في مشاكل الصحة النفسية، وما قد يَنجُمُ عنه من عواقب سلبية على العاملين والمؤسسات، وفي هذا السياق تهدف هذه المقالة إلى استعراض متكامل لحدود تدخل مختصِّي السلامة في قضايا الصحَّة النفسيَّة، مع التأكيد على مخاطر التجاوز غير المدروس لهذا الدور، وكذلك تسليط الضوء على أهميَّة التعامل العلمي مع المخاطر النفسيَّة، والنفسية الاجتماعية، وعلاقتها بصحة وأداء العاملين، وسنستعرض أيضًا العلاقة الوثيقة بين العوامل النفسية والاجتماعية في بيئة العمل، وكل من اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي، والصحَّة البدنيَّة، وضعف التَّركيز والانتباه، وارتفاع معدَّلات الحوادث والإصابات، وأخيرًا تأثيرها على أداء الموظفين وإنتاجيَّتهم، ثمَّ نختم بتوضيح الدور المهني المنشود لأخصائي السلامة في إدارة هذه المخاطر ضمن نطاق تخصُّصهم، مع تقديم توصيات مهنية وتنظيمية مبنيَّة على الأدلة.
التأهيل المهني لمختصِّي السلامة، وحدود التدخُّل في الصحة النفسية:
يعتمد عمل أخصائي السلامة والصحة المهنية (OSH) تقليديًّا على خلفية علمية في مجالات (مثل: الهندسة، وإدارة المخاطر المهنية، وتطبيق التَّشريعات ذات الصلة)، ويتلقَّى هؤلاء المختصون تدريبًا موسعًا في التعرف على المخاطر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية في بيئة العمل، وتقييم مستوياتها، وتطبيق حلول هندسية وإدارية للسيطرة عليها، كما تشمل مهامُّهم توعية العاملين بإجراءات السلامة، والتحقُّق من امتثال المنشأة لمعايير ولوائح السلامة المهنية.
أمَّا في الجانب النفسي، فغالبًا ما يقتصر تأهيل أخصائي السلامة على المبادئ العامَّة للتعامل مع ضغوط العمل، وكيفيَّة اكتشاف بوادر الإجهاد، أو الاعتلال النفسي بين الموظفين، وهذا التأهيل الأساسي قد يشمل ورش عمل توعويَّة حول الضغوط، والعمل تحت الإجهاد، أو دورات في الإسعافات الأوليَّة النفسيَّة التي تعلِّم كيفيَّة الاستجابة الأوليَّة لحالات الضِّيق النفسيِّ الحادَّة في موقع العمل.
وعلى الرغم من أنَّ بعض الجهات الأكاديميَّة المحلية أصبحت تشمل الصحة النفسية المهنية ضمن برامجها الأكاديمية، ومع ذلك لا يرتقي هذا التأهيل إلى مستوى تدريب متخصص في العلاج النفسي، أو الاستشارة الإكلينيكيَّة؛ ممَّا يضع حدًّا واضحًا لدور أخصائي السلامة عند التعاطي مع مشكلات الصحَّة النفسية للعاملين، فالأخصائي ليس طبيبًا نفسيًّا، ولا مستشارًا معتمدًا في الصحَّة العقلية، وبالتالي ينبغي أن يظلَّ نطاق تدخُّله في حدود الدعم الأوَّلي والتوجيه، وليس التشخيص أو العلاج.
وتُؤكِّد الأدبيَّات المهنية على أهمية التزام أخصائي السلامة بحدود نطاق ممارسته عند التعامل مع قضايا نفسية، فقد أوصى خبراء الصحة المهنية بأن يقتصر دور متخصص السلامة في مجال الصحة النفسية على رَصْد عوامل الإجهاد في بيئة العمل، والتوعية بها، والتخفيف من مُسبِّباتها بالتعاون مع الإدارة، مع إحالة المُوظَّفين الذين يُعَانون من مشكلات نفسية إلى جهات الاختصاص للعلاج والدعم المتخصص، وبحسَب استطلاع أَجْرَته مجلة السلامة والصحة المهنية الأمريكية (2018)، أجمع المختصُّون (52% – عدد العيِّنة غير معروف) على أنَّ فَهْم حالة العامل النفسية جزءٌ من مسؤوليات مسؤول السلامة من ناحية الوعي بخطر الظروف غير الآمنة التي قد تنشأ عنها، ولكن دون تجاوز ذلك إلى محاولة إدارة المشكلات النفسيَّة إكلينيكيًّا، أي إنَّ على مسؤول السلامة التنسيق مع قسم الموارد البشرية، أو طبيب الصحة المهنية، أو أخصائي نفسي عند ملاحظة عاملٍ يواجه اضطرابات نفسية، بدلًا من أن يتولَّى بنفسه دور المعالج.
وهذا التحديد للحدود المهنيَّة لا يحمي الموظفين فحَسْب، بل يحمي أيضًا أخصائي السلامة نفسه من تجاوز صلاحيَّاته العلمية والقانونية، فهو ملزمٌ -وَفْق أخلاقيات المهنة- بعدم ممارسة ما يتجاوز نطاق خبـرتِهِ وتدريبِهِ، حفاظًا على سلامة العامل وصحَّته
المخاطر الناجمة عن تجاوز نطاق التخصص:
إنَّ محاولة أخصائي السلامة التصدِّي لمشكلات الصحة النفسية للعاملين دون التأهيل المطلوب قد تُفْضي إلى عواقب سلبيَّة متعددة الأوجه:
أولًا: من منظور صحة العامل: قد يؤدِّي التدخل غير المؤهَّل إلى تقديم تقييمات، أو نصائح خاطئة تفاقم حالة الموظف بدل تحسينها، فمثلًا: قد يسيء مسؤول السلامة تقدير خطورة حالة الاكتئاب أو القلق لدى أحد العاملين، فيتعامل معها باستخفاف، أو يُقدِّم حلولًا سطحيةً ليست قائمةً على أسس علمية؛ ممَّا قد يدفع العامل إلى مزيدٍ من العزلة، أو يُثْنيه عن طلب المساعدة المتخصصة.
ثانيًا: هناك مخاطر تتعلَّق بالسريَّة والثقة؛ فالعامل الذي يشارك مشكلاته النفسيَّة مع شخصٍ غير مؤهل قد لا يَحْظى بحماية الخصوصية الواجبة، أو بالتفهُّم العلاجي الصحيح؛ ممَّا قد يزعزع ثقته بمنظومة الدعم في مكان العمل.
ثالثًا: من الناحية المهنية والتنظيمية، قد يتسبَّب تجاوز أخصائي السلامة لدوره في تضارب الصلاحيات مع قسم الموارد البشرية، أو وحدة الرعاية الصحية المهنية في المؤسسة، وهذا التضارب قد يُرْبك قنوات الدعم المتاحة، ويؤدِّي إلى إهمال بعض الحالات، أو تكرار غير فعَّال للجهود.
رابعًا: هناك جانب قانونـي وأخلاقي مهم، فتقديم المشورة، أو الخدمات النفسية بشكلٍ غير مرخص قد يُعرِّض الشركة وأخصائي السلامة لمسؤولية قانونية إذا ما أُصِيبَ الموظف بضرر نتيجة نصائح غير سليمة، ويشير بعض التقارير إلى أن غياب التأهيل والتدريب الملائم يجعلان المديرين ومسؤولي السلامة غير مُسْتعدِّين للتعامل مع قضايا الصحة النفسية لدى الموظفين؛ ممَّا يعني أن محاولاتهم قد تأتـي بنتائج عكسية، وقد حذَّر متخصصون في مجال الصحة النفسية من أن الاعتماد على أفرادٍ غير مُؤهَّلين في تقديم الدعم النفسي قد يُسبِّب ضررًا أكثر ممَّا ينفع في بعض الحالات الحسَّاسة؛ نظرًا لعدم إلمامهم بالأساليب العلاجيَّة الصحيحة، وحدود التدخُّل الآمن، وبالتالي: فإنَّ تجاوز أخصائي السلامة لدوره المرسوم لا يُخلُّ بمبدأ التخصصية فحَسْب، بل قد يُشكِّل في حدِّ ذاته خطرًا مهنيًّا على صحة العامل النفسية، وعلى سُمْعة المنظمة والتزامها برعاية مُوظَّفيها.
ومن هنا تَبْرز ضرورة وَضْع بروتوكولات واضحة في بيئات العمل تُحدِّد متى يجب على مسؤول السلامة تسليم زمام الأمور إلى المختصِّين النفسيِّين، وضمان وجود قنوات إحالة ودعم محترفة، وسهلة الوصول للعاملين.
المخاطر النفسية الاجتماعية، وتأثيرها على الأداء والتركيز والإصابات والصحة البدنية:
تشير أعداد متزايدة من البحوث إلى أن العوامل النفسية الاجتماعية في العمل ليست مجرَّد اعتبارات ثانوية، بل هي عوامل جوهريَّة تؤثر بشكل ملموس على سلامة وصحة وإنتاجية العامل، وفي هذه المراجعة العلمية نستعرض العلاقة بين التعرُّض للمخاطر النفسية الاجتماعية في بيئة العمل، وكلٍّ من الأداء الوظيفي، وقدرة العامل على التَّركيز والانتباه، ومعدلات الحوادث والإصابات، وصحَّة الجهاز العضلي الهيكلي للعاملين.
- الأداء الوظيفي والإنتاجية: إنَّ الصحة النفسيَّة للعامل هي ركنٌ أساسي في مستوى أدائه وكفاءته، فعندما يعانـي المُوظَّفون من ضغوط نفسية مستمرَّة، أو بيئة عمل تنطوي على توتر وصراعات، ينعكس ذلك سلبًا على إنتاجيَّتهم، وجودة عملهم، وقد وجدت الدراسات أنَّ ضعف الصحة النفسية يرتبط بتَراجع الإنتاجيَّة، وارتفاع معدل دوران الموظفين (Employee Turnover)٩، وانخفاض مستوى الأداء الوظيفي؛ إذ إنَّ القلق والاكتئاب والإجهاد المزمن تستنزف طاقة العامل ودافعيَّته، فيعجز عن تحقيق نفس مستوى التركيز والإبداع كما في الظروف الطبيعية، وعلى النقيض: أظهرت أدلَّة أن تعزيز الصحة النفسية في بيئة العمل يُحسِّن الرضا الوظيفي، ويُعزِّز التعلُّم الجماعي والأداء، فالموظَّف الذي يشعر بالدَّعم النفسي والأمان التنظيمي يكون أكثر قدرةً على استثمار كامل إمكاناته في العمل، ومن هنا يتَّضح أنَّ إغفال المخاطر النفسية الاجتماعية لا يضرُّ بصحة العامل فقط، بل يُقوِّض أيضًا الأهداف الإنتاجيَّة للمؤسسة على المدى البعيد.
- التَّركيز والانتباه والسَّلامة: تؤثر الضُّغوط النفسية والإجهاد (Fatigue) بشكل مباشر على العمليَّات المعرفية للعامل؛ مثل: قدرته على التركيز، واتِّخاذ القرارات السليمة، والإجهاد العالي في العمل يمكن أن يُضْعف الذاكرة قصيرة الأمد، ويُشتِّت الانتباه، ويُثَـبِّط القدرة على معالجة المعلومات بفعالية١٦، ونتيجةً لذلك: تزداد احتماليَّة ارتكاب الأخطاء، وتفويت الإشارات التحذيريَّة للمخاطر، على سبيل المثال: قد يفقد العامل المُرْهَق ذهنيًّا انتباهه لثوانٍ أثناء تشغيل آلة خطرة، أو قيادة مَرْكبة، فتحدث الكارثة١٤، وقد بيَّنت أبحاثٌ في صناعات عالية الخطورة أن العمال الواقعين تحت ضغط مرتفع أكثر عُرْضةً لارتكاب سلوكيات غير آمنة، والانخراط في ممارسات خطرة تقود لحوادث وإصابات جسيمة، ومن هنا يتَّضح أنَّ انتباه العامل، وصلابة تركيزه لها علاقة وثيقة بسلامته وسلامة زملائه. إنَّ بيئة العمل المجهدة نفسيًّا تعني عاملًا أقلَّ يقظةً، وبالتالي بيئة أقل أمانًا، وعلى العكس: عندما يشعر الموظف بالراحة النفسية والدعم، يكون أكثر حذرًا وانتباهًا للتفاصيل؛ ممَّا يُقلِّل من احتمالات الحوادث.
- الحوادث والإصابات: إنَّ غياب الشُّعور بالأمان والدعم يُسْهم في خَلْق حالة من التوتر المستمر، ما قد يقود العامل إلى ارتكاب هفوات، أو المجازفة من دون وعيٍ، والإجهاد المزمن قد يؤدِّي أيضًا إلى الإرهاق البدني والذهني، وبالتالي إبطاء زمن ردِّ الفعل، وضعف الانتباه كما أسلفنا، وجَميعُها عوامل تزيد من خطر الحوادث. وفي المقابل: تَبيَّن أنه في المؤسسات التي تتبنَّى ثقافةً تهتم بالصحة النفسية للعاملين، وتُوفِّر لهم الدعم، تنخفض معدلات الحوادث، وترتفع مؤشرات الامتثال لإرشادات السلامة١٣، كما أن التكلفة البشرية والاقتصادية للحوادث (من إصابات، وخسائر إنتاجية) تَدْفع بقوة نحو ضرورة إدارة أسبابها الجذريَّة التي قد تكون نفسيَّة تنظيميَّة بقدر ما هي تقنيَّة، أو ماديَّة، بمعنًى آخر: إذا كانت بيئةُ العمل سامَّةً نفسيًّا، وتعانـي من توتر متصاعد، فلن يكفي توفير مُعدَّات حماية شخصية، أو لوائح سلامة صارمة لمَنْع الحوادث، أو التقليل من حدَّتها ما لم يُعَالج جوهر المشكلة المتمثِّل في الضغوط النفسية؛ لذلك: فإنَّ دمج تقييم مخاطر الإجهاد والاحتراق النفسي ضمن برامج إدارة المخاطر الشاملة بات ضرورةً لتقليل الإصابات.
- الصحة البدنيَّة واضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي :قد يبدو للوهلة الأولى أنَّ المشكلات النفسية منفصلة عن الإصابات الجسدية، إلا أنَّ الأدلة تظهر ترابطًا وثيقًا بينهما، خاصةً فيما يتعلق باضطرابات العضلات والعظام الناجمة عن العمل، فعند تعرُّض العامل لإجهاد نفسي طويل الأمد، يدخل الجسم في حالة استجابة فسيولوجية للتوتر: يفرز هرمونات مثل: الكورتيزول، وترتفع نبضات القلب وضغط الدم، ويتشنَّج الجهاز العضلي، وهذه الاستجابة الدِّفاعية الطبيعية لها تكلفة بدنية؛ إذ يزداد توتر العضلات، ويقلُّ مُعدَّل استرخائها حتى أثناء فترات الراحة٢-٣، ونتيجةً لذلك، قد يُصْبح العامل أكثر عُرْضةً لآلام الظهر والرقبة والكتفين٨، بل وقد يميل إلى استعمال قوَّة أكبر، أو وضعيَّات جسدية غير مريحة أثناء العمل تحت الضغط، وتشير أبحاث السَّلامة الحيويَّة إلى أن الضُّغوط النفسية المزمنة يمكن أن تُسْهم في نشوء اضطرابات عضليَّة هيكلية، أو تفاقم إصابات جسدية قائمة، فالإجهاد النفسي قد يُطيل فترة شفاء الإصابات، أو يجعل الألم العضلي أكثر حدَّة من خلال زيادة حساسية الجهاز العصبي للألم، كما أن اضطراب النوم الناتج عن القلق، أو التفكير الزائد يَحْرم الجسم من فرصة التعافي ليلًا؛ ممَّا يؤدِّي إلى إرهاق بدني مستمر، وتراجع في القدرة على التجدُّد الخلوي. ومن زاويةٍ أخرى: قد تدفع بيئات العمل عالية التوتر المُوظَّفين إلى إهمال صحتهم البدنية (نقص ممارسة التمارين، أو سوء التغذية)؛ ممَّا يجعلهم أكثر عُرْضةً للإصابة والأمراض، وبناءً على ما سبق: يَتبيَّن جليًّا أن الصحة النفسية والجسدية للعامل كلٌّ لا يتجزَّأ، فالمخاطر النفسية الاجتماعية في العمل قد تتجسَّد نتائجها في اضطرابات عضلية هيكلية، وحوادث وإصابات فعليَّة، وليس فقط في شكاوى معنويَّة.
دور مختصِّي السلامة في إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية ضمن تخصُّصهم:
في ظلِّ التأثير البالغ للمخاطر النفسية الاجتماعية على سلامة وصحَّة العاملين كما أوضحت، بَرَز دورٌ جديد وحيوي لمسؤولي السلامة يتمثَّل في المساهمة بإدارة هذه المخاطر داخل بيئة العمل، لكن هذا الدور يجب أن يُؤدَّى بتوازن دقيق يضمن عدم تجاوز المختص نطاق خبرته، ويمكن تلخيص مهام أخصائي السلامة في هذا الصَّدد ضمن مستويين رئيسين: مستوى وقائي تنظيمي، ومستوى دعمي تنسيقي.
فعلى المستوى الوقائي التنظيمي، يقع على عاتق مسؤولي السلامة تضمين العوامل النفسيَّة الاجتماعية ضمن تقييمات مخاطر بيئة العمل الدورية، أي إنَّ عملية تحديد المخاطر (Hazard Identification) ينبغي أن تشمل مصادر الإجهاد النفسي؛ مثل: ضغط العمل، وساعات العمل الطويلة، والصِّراعات التنظيمية، وعند رَصْد هذه العوامل، يتعاون أخصائي السلامة مع الإدارة لوضع ضوابط (Control Measures) مناسبة؛ كإعادة توزيع أحمال العمل لمَنْع الإرهاق، وتحسين التواصل الداخلي، وتعزيز ثقافة عمل داعمة. وقد أصدرت المنظمة الدولية للمعايير ISO حديثًا معايير؛ مثل ISO 45003 -ولستُ هنا بصدد انتقاد وتقييم المعيار، فقط أذكرُهُ للقارئ كمرجعٍ دوليٍّ- والَّتي تُقدِّم إطارًا منهجيًّا لمساعدة المؤسسات على تحديد المخاطر النفسية الاجتماعية، وتقييمها، وضبطها جنبًا إلى جنب مع مخاطر السلامة التقليدية.
إنَّ اتِّباع هذه الإرشادات يُمكِّن أخصائي السلامة من معالجة أسباب الإجهاد من المنبع (بيئة العمل، وظروفه) بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع النتائج، وتشمل الإجراءات التنظيميَّة الفعَّالة في هذا السِّياق: إشراك الموظَّفين في صُنْع القرار، وتعزيز استقلاليَّتهم، ضمان وضوح الأدوار، وتوقُّعات العمل، ورعاية التوازن بين العمل والحياة الشخصيَّة، وتوفير موارد كافية لدعم المُوظَّفين في الأزمات.
لقد وجدت الدراسات أنَّه عندما تُدِيرُ أماكن العمل مخاطرها النفسية الاجتماعية بشكل جيِّد، وتدعم الصحة العقلية للموظفين، فإنَّها تجني تحسنًا في معنويات العاملين، وانخفاضًا في التغيُّب والإصابات، وتكلفة التعويضات، فضلًا عن زيادة الإنتاجيَّة٩، وهذا بالضبط ما يَسْعى إليه أخصائي السلامة الاستباقي: خَلْق بيئة عمل صحية نفسيًّا تُسْهم في الوقاية من الحوادث والأمراض قبل وقوعها.
أمَّا على المستوى الدعمي التنسيقي، فيتمثَّل دور أخصائي السلامة كحلقة وصل تربط العاملين بمصادر المساعدة المتخصصة عند الحاجة، فهُوَ بحكم موقعِهِ الميدانـي قد يكون أول مَنْ يلاحظ علامات الاحتراق النفسي، أو المعاناة لدى أحد الموظفين، وفي هذه الحالة ينبغي له التصرُّف بحساسية ومسؤولية: يستمع إلى مخاوف الموظف، ويدعمه معنويًّا بشكل أوليٍّ، ثم يُوجِّهه نحو الجهات المهنية المؤهلة داخل المؤسسة، أو خارجها، وقد يكون ذلك عَبْر برنامج مساعدة الموظفين (Employee Assistance Program) إنْ وُجِدَ، أو عَبْر إحالة الموظف إلى طبيب مهني، أو أخصائي علم نفس صناعي، وبالتوازي: يمكن لأخصائي السلامة التنسيق مع قسم الموارد البشرية لتنفيذ سياسات داعمة؛ كمُرَاجعة ظروف العمل لذلك الموظف، أو مَنْحه إجازة استشفاء عند اللُّزوم (مَنْ يقوم بإعطاء الموظف الإجازة -بغضِّ النظر عن مدَّتها- هُمُ الموارد البشرية، والمدير المباشر للموظف)، ويتعاون مسؤول السلامة مع إدارة الموارد البشرية والأطباء والمستشارين لضمان حصول الموظف على الدعم الشامل.
وضمن هذا الفريق، يضمن أخصائي السلامة -بالتعاون مع الموارد البشرية والقدرة المباشرة للموظف- ألَّا تتحوَّل بيئة العمل نفسها إلى عائق في طريق تعافـي الموظف عَبْر تخفيف مصادر الضغط الواقعة على ذلك العامل إنْ أمكن مؤقتًا، ومراعاة حالته في ترتيبات السلامة (مثل: عدم تكليفه بمهام شديدة الخطورة وهو تحت إجهاد نفسي)، كذلك يلعب مسؤول السلامة دورًا في تثقيف زملاء العمل، وتشجيع ثقافة التعاطف، وعدم الوصمة تُجَاه مَنْ يمرُّون بصعوبات نفسية، ما يخلق مناخًا أكثر تقبُّـلًا للمصارحة، وطلب المساعدة دون خوف.
إنَّ أخصائيِّي السلامة يمكنهم اتِّخاذ خطوات بسيطة لكن فعَّالة؛ مثل: رفع الوعي لدى العمال حول قضايا الصحة النفسية، وأهميَّة الاعتناء بالرفاه النفسي، كما يأتي دور الموارد البشرية في تشجيع فَتْح حوارات حول الضغوط لتكسير حواجز الوصمة، وبناء ثقافة تنظيمية تُقدِّر الصحة النفسية كجزءٍ من السلامة الشاملة، وهذه الأنشطة تقع تمامًا ضمن صميم دَوْرهم التوعوي والوقائي دون أن تتحوَّل إلى تقديم علاج فعلي، وبذلك ينجح أخصائي السلامة في إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية -بالتعاون مع الموارد البشرية- كأي مخاطر مهنيَّة أخرى عَبْر إجراءات جماعية ونظامية، في الوقت الذي يُتْـرَك فيه العلاج الفردي والتدخل العلاجي للمختصين المرخصين.
الخاتمة والتوصيات:
قبل أن أخوض في الخاتمة والتوصيات، فموقفي تجاه تبنِّي الصحة النفسيَّة كجزءٍ من إدارة السلامة لا يزال ثابتًا، وهو عدم التأييد إلا بشروط، وأتحدَّث هنا عن نفسي، فقد حصلتُ على تدريب في مرحلة البكالوريوس والماجستير للتعامل مع المخاطر النفسية الاجتماعية، والحد منها، ولكن لا أزعم قدرتـي على التعامل مع الضغوطات النفسية، والاحتراق الوظيفي، أو ما شابَهه من أمورٍ لا يستطيع علاجها الا الأخصائي النفسي، أو مَنْ حصل على تدريبٍ بنفس المستوى أو أفضل.
ختامًا، يتَّضح أن تحقيق التكامل بين السلامة المهنية والصحة النفسية للعاملين بات ضرورةً مُلحَّةً في عصرنا الحالي٦، وكما يتداوله الكثير من المؤتمرات والجهات، فقد كشف الاستعراض أعلاه أنَّ المخاطر النفسية، والنفسية الاجتماعية في بيئة العمل لها آثارٌ واسعة النطاق على صحة العامل الجسديَّة والنفسيَّة، وأدائه المهني وسلامته؛ لذا فإنَّ إدماج هذه المخاطر ضمن استراتيجيات إدارة السلامة والصحة المهنية، أو ضمن استراتيجية الموارد البشرية، وهو الأنسب على الأغلب، لم يَعُدْ ترفًا، بل هو جزءٌ لا يتجزأ من واجبات أرباب العمل نحو مُوظَّفيهم، وفي هذا الصدد يقع على عاتق مُخْتصِّي السلامة دورٌ محوري في الريادة الوقائيَّة حِيَالَ ضغوط العمل، وظروفه النفسيَّة المنظمة، ولكن مع الالتزام الصارم بحدود الاختصاص المهني، فعلى مختصِّ السلامة أن يعمل كخطِّ الدفاع الأول في رَصْد عوامل الإجهاد، ومَنْع تفاقمها تنظيميًّا بالتعاون مع الإدارات الأخرى، وأن يكون عاملَ تمكينٍ يدفع المؤسسة لتبنِّي ثقافة إيجابية داعمة للصحة النفسية، وفي الوقت ذاته: عليه أن يتجنَّب القيام بدور المُعالِجِ النفسي الذي يتجاوز تأهيله؛ منعًا لإلحاق ضررٍ غير مقصود بالموظفين، أو انتهاك أخلاقيات الممارسة المهنية.
وبناءً على ما تقدَّم، يمكن تقديم التوصيات التالية لضمان إدارة فعَّالة وآمنة للمخاطر النفسية الاجتماعية في أماكن العمل:
١. تطوير سياسات مؤسسيَّة واضحة: ينبغي أن تضع كلُّ منظمة سياسةً رسميةً تعترف بالصحة النفسية كجزءٍ من برنامج الموارد البشرية، والسلامة والصحة المهنية، تُحدِّد فيها أدوار كلٍّ من قسم السلامة، والموارد البشرية، والخدمات الصحية المهنية (إنْ وُجِدتْ) في التعامل مع قضايا الضغوط النفسية، وهذه السياسة يجب أن تؤكِّد آليَّة الإحالة إلى مختصِّين مُرخَّصين عند الحاجة، وتُشجِّع الموظفين على طلب المساعدة دون خوفٍ من التمييز (يجب أن يُعْمل بالسياسة وتُطبَّق، وألَّا تكون حبـرًا على ورق فقط).
٢. تدريب أخصائيِّي السلامة على الصحة النفسية المهنيَّة: يُوصَى بأن يحصل مسؤولو السلامة على تدريبٍ متخصصٍ (مثل: دورات إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية، أو شهادة معيار ISO 45003) لتعزيز فَهْمهم فقط لهذه المخاطر، وأساليب الإحالة فيها، ولا أُحبِّذ التدريب على مهارات الإسعاف النفسي الأوَّلي؛ لأنَّ الأبحاث العلمية حول فعاليَّته ليست ذات موثوقية عالية٧-١٧.
٣. تشكيل فِرَقِ دعمٍ متعددة التخصصات لضمان عدم انفراد غير المختصِّين باتخاذ قرارات في قضايا الصحة النفسية، ومن المفيد إنشاء فِرَقِ عملٍ تضم إلى جانب مسؤولي السلامة كلًّا من: طبيب مهني، أو أخصائي نفسي (بالتعاون مع شركات التأمين مثلًا)، ومستشار موارد بشرية, وتتولَّى هذه الفِرَقُ مراجعة حالات الإجهاد أو الحوادث ذات البُعْد النفسي، واقتراح إجراءات تدخُّل شاملة.. إنَّ عمل الفريق يضمن توزيع المهام بحيث يعالج كل مختصٍّ الجانب الواقع ضمن مجاله، فيتكامل الجهد دون تجاوزات.
٤. تعزيز ثقافة الوقاية النفسيَّة: على المؤسسات أن تبني ثقافةً داخليةً تُشجِّع التوازن الوظيفي، ودعم الزملاء لبعضهم، ويمكن ذلك من خلال حملات توعية دورية حول مخاطر الإجهاد، وكيفيَّة إدارته، وتفعيل قنوات تواصل تُمكِّن الموظفين من التعبير عن مخاوفهم بشكلٍ آمن، وأظهرت الأبحاث أنَّ بيئة العمل الداعمة نفسيًّا تُسْهم في أداء أفضل، وتحسُّن الصحة العامَّة للعاملين، وبالتالي فهي استثمار في رأس المال البشري لا يقلُّ أهميةً عن إجراءات السلامة التقليدية.
٥. المتابعة والتقييم المستمر: تمامًا كما تتمُّ مراجعة سجلَّات الحوادث والإصابات لتحسين إجراءات السلامة، يجب أيضًا متابعة مؤشرات الإجهاد، والرضا الوظيفي، وقياس فعالية التدخلات النفسية الاجتماعية، ويمكن اعتماد استبيانات دوريَّة لقياس مستوى الضغوط، مثل: An Organizational Stress Screening Tool (ASSET) المبنيَّة على الأدلة)٥، ومراقبة معدَّلات التغيُّب، ودوران الموظفين كمؤشرات غير مباشرة.
إنَّ التحسين المستمر في هذا المجال يضمن بقاء بيئة العمل مَرِنةً وقادرةً على التكيف مع التحديات النفسية.
وفي النهاية، إنَّ سلامة العامل الشاملة (البدنية، والنفسية) هي مسؤولية تشاركيَّة تتطلَّب وعيًا وتنظيمًا والتزامًا من جميع الأطراف، وأخصائي السلامة، وأخصائي الصحة المهنية، والطبيب المهني، والموارد البشرية والإدارة المباشرة، بخبرتهم التقنية ونظرتهم الشمولية للمخاطر، مُؤهَّلين ليلعبوا دورًا قياديًّا في دَفْع هذا التغيير الإيجابي داخل أماكن العمل، شرط أن يكون ذلك ضمن إطارٍ من الاحترافية، واحترام حدود التخصص، وبهذا التوازن يمكن للمؤسسات أن تُحقِّق أفضل معادلة: بيئة عمل آمنة وصحية بكلِّ جوانبها، وعاملون يتمتَّعون بالرفاه النفسي والجسدي الذي يُمكِّنهم من العطاء والإنتاج بأقصى طاقاتهم.