د. شيماء الشرقاوي
يُمثِّل المعهد العربي لعلوم السلامة نموذجًا رائدًا في دعم وترسيخ ثقافة السلامة والصحَّة المهنيَّة في الوطن العربي، ليس فقط كمؤسَّسة تعليمية أو تدريبية، بل كمنصَّة فكرية تعمل على نَشْر الوعي، ودعم المبادرات، وإعداد الكوادر القادرة على مواجهة تحديات بيئات العمل الحديثة، كما تؤدِّي المجلة دورًا مُهمًّا كحلقة وصلٍ بين الخبراء والباحثين والمهتمِّين من خلال نَشْر المعرفة العلمية الموثوقة، وتعزيز الحوار حول أفضل الممارسات والمعايير العالمية.
وما بين المعهد والمجلة تتشكَّل منظومة معرفيَّة متكاملة تُسْهم في رفع جودة بيئات العمل العربية، وتمكين المؤسسات من الوصول إلى مستوى أعلى من الأمان والاستدامة.
وَضْع وأهميَّة السلامة في الوطن العربي، ورؤيتي الشخصيَّة:

تعيش الدول العربية مرحلةً شديدة الحساسية من التطوُّر الصناعي والتكنولوجي؛ ما يجعل وجود أنظمة قويَّة للسلامة والصحة المهنية أمرًا لا غنى عنه، فمع توسُّع المشروعات النفطية، والصناعية، والإنشائية، تزداد احتمالات المخاطر بشكلٍ يستوجب بناء ثقافة وقائيَّة حقيقية تقوم على الوعي، والتدريب، والتشريعات الفعَّالة.
ومن وجهة نظري، فإنَّ السلامة ليست مجرَّد التزام قانونـي، أو اشتراط إداري، بل هي استثمار في رأس المال البشري، وضمان لاستمراريَّة التشغيل، ورفع كفاءة المؤسسة، وكلَّما أدركت المؤسسات العربية أن السلامة جزءٌ من منظومة الجودة الشاملة، وليست عنصرًا منفصلًا عنها- اقْـتَربنا من بيئات عمل أكثر أمنًا وقدرةً على التنافس عالميًّا، وأكثر استدامةً للجميع.
أهمُّ المشاكل والتَّحديات التي تواجه مجال السلامة في الوطن العربي:
رغم تقدُّم الوعي خلال السنوات الأخيرة، إلا أنَّ المجال ما زال يواجه عدَّة تحديات، من أهمِّها:
- غياب ثقافة السلامة على مستوى الأفراد والمؤسسات؛ حيث لا يزال التَّركيز الأكبر على الإنتاج بدلًا من الوقاية.
- نقص التحديث المستمر للتشريعات بما يتماشى مع التطوُّر الصناعي والتكنولوجي.
- قلَّة التدريب المتخصص والمتقدِّم الذي يواكب المعايير الدولية للسلامة.
- ضعف التكامل بين إدارات السَّلامة والإدارات التشغيليَّة داخل الشركات.
- عدم توحيد المعايير بين الدول العربية؛ ممَّا يخلق فجوةً في التطبيق والالتزام.
- قلَّة الدراسات والإحصائيات الموثوقة التي تُسْهم في اتِّخاذ القرار المبنيِّ على بيانات دقيقة.
- غياب الشفافية وعدم توضيح سياسات الثواب والعقاب في بيئات الأعمال المختلفة.
- التَّعتيم -إذا ما جاز التعبير- حول الإفصاح عن الحوادث الواقع منها، أو الوشيك.
أفكار وآراء شخصيَّة تخدم السلامة في الوطن العربي:
- ضرورة إدماج السلامة في التخطيط الاستراتيجي للمؤسسات، وليس اعتباره نشاطًا ثانويًّا.
- إنشاء منصَّات عربية مشتـركة لتبادل الخبرات والمعايير، وتوحيد السياسات.
- زيادة الاستثمار في التدريب العملي والمحاكاة Simulation، خاصةً في قطاعات البترول والغاز.
- تعزيز مفهوم السلامة السلوكية Behavior-Based Safety داخل المواقع.
- دَعْم الأبحاث العلمية العربية المتخصِّصة، وإنشاء مراكز تقييم للمخاطر تتماشى مع المعايير الدولية.
- رَبْط برامج السلامة بمؤشرات الأداء KPIs، وتطبيق بطاقة الأداء المتوازن BSC على إدارات السلامة لتعزيز المتابعة والتحسين المستمر.
- مشاركة الجميع في رَصْد المخاطر Risk Assessment.
- تبنِّي ثقافات استدامة الأعمال، فبدون سلامةٍ لن تتحقَّق الاستدامة.
- وأهمُّ ما يجعلنا نلتزم بالسلامة وأعلى معاييرها: هو فَتْح أسواق جديدة -وخاصةً العالمية- فتلك هي التي تُجْبرنا حقًّا على أن نَحْظى بمنظومة سلامة وصحة مهنية من النوع الجيِّد للغاية.
تعريف وسيرة ذاتيَّة مختصرة:
وأهمُّ الإنجازات العلمية في مجال السلامة والصحة المهنية:
- الاسم: د.م/ شيماء محمد الشرقاوي.
- مهندس مدنـي، دكتوراه إدارة المشروعات الهندسيَّة.
- رئيس مجلس إدارة معهد فالكون للدراسات الاستراتيجية.
- رئيس قطاع البيئة الإقليمي، الاتحاد العربي للمرأة المتخصِّصة، جامعة الدول العربية.
- سفير مصر لدى الأمم المتحدة، لجنة حقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
- استشاري التحوُّل المؤسسي المستدام، بتـروسيف، الهيئة العامَّة للبترول.
- عضو المجلس الاستشاري الأعلى، كلية النَّقل الدولي واللُّوجستيات، الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا.
- عضو خبير جمعية المياه الكويتية.
- عضو جمعية (شابتر زيرو)، مصر (مديرو منتدى المناخ).
- مقرِّر اللجنة الهندسية للسلامة والصحة المهنية والبيئة، نقابة المهندسين، الإسكندرية.
- سفير الذكاء الاصطناعي، المنتدى العربي للذكاء الاصطناعي.
- عضو الاتحاد العالمي لحماية البيئة والمناخ، ليستر، إنجلترا.
- أحد مؤسِّسي كرسي التنمية المستدامة، جامعة محمد بن عبد الله، فاس، المغرب.
- عضو نادي المرأة الأفريقية.
أبرز الإنجازات والمساهمات:
- تقديم برامج تدريبية متخصصة في السلامة والصحة المهنية لمئات المتدرِّبين من كبرى شركات البترول في مصر والوطن العربي.
- الإشراف على تطوير برامج تدريبيَّة في مجالات:
- إدارة المخاطر.
- تقييم الأثر البيئي.
- السلامة في صناعات النفط والغاز.
- الطوارئ ومكافحة الحرائق.
- المشاركة في تنفيذ دورات متقدِّمة لمديري الشركات وفِرَقِ الإطفاء في مشروعات بترولية كبرى؛ مثل: (مشروع ميدور، إيثيدكو، أبروم، مصر للبترول، وسينوثروة).
- تطوير محتوى علمي متخصص لبَرامج القيادة والمسؤولية، وبناء الفريق، والاتصال الفعَّال للعاملين في قطاع البترول.
- تقديم استشارات لمؤسَّسات البترول حول تحسين بيئات العمل، وربط السلامة بأداء التشغيل والإنتاج.
- الإشراف على تطبيقات علميَّة تربط السلامة بالصحة المهنية، وجودة الأداء، والمعايير البيئية.
- المشاركة في إعداد دراسات ومشروعات أكاديمية حول تطوير بيئات العمل في القطاع الصناعي والبترولي.
ختام:
تظلُّ السلامة والصحة المهنية حجر الأساس لأيِّ مؤسسة تسعى للنمو الحقيقي والاستدامة، وتبقى مسؤولية تطوير هذا المجال مسؤوليةً مشتركة بين الخبراء، والمؤسسات، والباحثين.
وبصفتي واحدةً من أبناء هذا التخصُّص، أؤمن أنَّ الوطن العربي قادرٌ على تحقيق نقلةٍ نوعيةٍ في مجال السلامة إذا وُجِدَتِ الإرادة، والاستثمار، والرُّؤية الواضحة.